لم يعد في الداخل سوى ذلك الصمت الذي لا يشبه صمت البشر بل يشبه صمت أرض جفت فيها المياه ورحلت الطيور عنها منذ زمن بعيد كانت المساحة التي كان القلب يشغلها يوما ما تتحول تدريجيا إلى فراغ بلا حدود فراغ يمتد كصحراء تطفئ كل أثر للحياة وتترك كل شيء متيبسا باهتا عاجزا عن النطق أو البكاء
كان القلب آخر ما بقي ينبض في تلك الأرض الداخلية آخر ما كان يقاوم قسوة المواسم وآخر ما يرفع رايته في وجه ليال كثيرة لم تعرف سوى الخذلان لكنه لم يصمد فقد أنهكته الأيام التي تجر خلفها حمولات من الألم كل يوم كان يضيف حجرا فوق حجر وجرحا فوق جرح حتى صار القلب يعيش تحت أنقاض لا يفترض بأي كائن حي أن يحتملها
كان يموت ببطء لكن الموت البطيء هو أقسى أنواع الموت يموت وهو يبتلع الخيبة وراء الخيبة ويفتح ذراعيه للمطر فلا يأتي المطر ويمد صوته نحو الأفق فلا يأتي الجواب يموت وهو يرى الأشياء التي أحبها تغادر والأسماء التي وثق بها تبتعد والوجوه التي آمن بها تتلاشى والوعود التي صدقها تتساقط مثل ورق ذابل
كان الموت يقترب منه كما تقترب غيمة ثقيلة من مدينة لم تعد تملك نوافذ لتختبئ خلفها وكان الألم يكبر فيه دون إذن مثل داء يتغلغل في الجسد ويأكل أطرافه بصمت ومع كل يوم كان القلب يتقلص أكثر وكأن أحدهم يضغط عليه بيد غير مرئية حتى النفس الذي كان يخرج من الصدر صار يشبه اعتذارا متأخرا من الحياة نفسها
وفي ليلة لم تختلف عن سابقاتها سوى أنها كانت أكثر وحشة انهار القلب أخيرا لم يكن الانهيار صوتا بل كان اختفاء اختفاء دفء اختفاء رجاء اختفاء خيط رقيق كان يربط الروح بما تبقى من الحياة شعر الداخل وكأن بابا ضخما أغلق بابا كان يطل على ضوء باهت لكنه كان ضوءا على كل حال ومع إغلاقه عم الظلام
ذلك الظلام لم يكن ظلام عيون بل ظلام روح ظلام كثيف لا يمكن لمصباح أن يبدده ولا لكلمة طيبة أن تقترب منه ولا ليد حانية أن تلمسه ظلام يشبه سقوط الليل على مدينة خالية ظلام يبتلع الممرات كلها يبتلع الأنفاس يبتلع الذكريات ويبتلع ما تبقى من ضوء في القلب
ولأن القلب مات كان لا بد أن يدفن
دفن في مكان لا يصل إليه أحد
دفن تحت طبقات من الصمت الذي لم يكن يشبه صمت البشر بل
صمت الأرض حين تستسلم
دفن بلا شاهد بلا نعية بلا دمعة تسكب فوقه
دفن لأنه لم يعد قادرا على البقاء
لكن الموت لم يكتف بأخذ القلب فقط أخذ معه ظلالا كثيرة أخذ معه القدرة على التعلق والقدرة على الثقة والقدرة على الانسجام مع الحياة فجأة صار الداخل هشا هشا إلى درجة أن الهواء نفسه أصبح أكثر من اللازم والصوت أكثر من اللازم والنور أكثر من اللازم
كل شيء صار حادا جارحا موجعا حتى وإن لم يقترب
ومع مرور الوقت بدأت الهشاشة تتحول إلى فراغ
فراغ يشبه حقلا محروثا ولم يلق فيه أي بذور
فراغ يجعل الخطوات ثقيلة والكلمات ثقيلة والضحكات تذبل قبل أن تولد
فراغ يلتف حول الروح كأفعى يخنقها شيئا فشيئا ويهمس لها بأن النهاية لم تأت بعد وأن الألم لا يزال لديه الكثير ليقوله
ورغم ذلك كله لم تكن النهاية نهاية لأن الموت في الداخل مهما كان
شاملا لا يستطيع أن يطمس كل أثر للحياة بقيت شرارة صغيرة شرارة لا ترى لكنها تحس شرارة تشبه ارتجافة جرح لم يلتئم أو بقايا صوت لم يكتمل بقي جزء صغير يرفض أن يموت جزء صغير لكنه عنيد يرفض الدفن ويرفض السكون ويرفض أن يمحى من الوجود كما محي الآخرون
ذلك الجزء كان لا يزال يسمع يسمع صدى الأيام القديمة يسمع خطوات الأحلام التي كانت تركض هنا يسمع ضحكة بعيدة احتفظ بها القلب قبل موته يسمع كل ذلك لكنه لا يستطيع أن يتحرك مجرد شرارة داخلية محاصرة في ظلام واسع لكنها شرارة حقيقية وما دام هناك جزء صغير لم يمت فإن الحياة لم تخسر كل شيء
ومع الوقت مع الألم مع الصمت مع الكسر اليومي الذي لا ينتهي
بدأت تلك الشرارة تتحرك ببطء ببطء شديد لكنها تتحرك كأن روحا أخرى تحاول أن تولد من تحت الردم كأن قلبا جديدا يراقب من بعيد يدرس المشهد يفكر إن كان يستحق الظهور أم لا لم يكن القلب القديم ليعود لكنه ترك خلفه بذرة والبذرة لا تعرف الموت
ولعل هذه البذرة يوما ما حين يسقط عليها ضوء غير متوقع أو كلمة صادقة أو حب ينبت من أرض لا تشبه أرض الأمس ستكبر
ستكبر حتى تملأ الفراغ
ستكبر حتى تعيد تشكيل الداخل
ستكبر حتى يصبح الوجع ذكرى والدمع درسا والموت بداية أخرى
وهكذا
يستطيع القلب أن يموت نعم
يستطيع أن يدفن نفسه تحت ركام الخيبات نعم
لكنه لا يستطيع أن يختفي بالكامل
لأن شيئا منه يبقى شيء لا يخضع للموت ولا يخضع للدفن ولا يخضع للانطفاء
شيء يعرف أن كل أرض مات فيها قلب لابد يوما أن تنبت من جديد

