جلست على شاطىء البحر كما تجلس حين كانت صبيّة يافعة،كان شعرها مُسدلا على كتفيها،في عينيْها بقايا ذكريات،بقايا دمعات،زخّات سوداء بللّت منديلها البنفسجيّ الحريريّ…صبيّة بهيّة مورّدة الخدود،تعشق اللّيل والسّمر ودندنات صوته الشّجي،كانت ترمق في خلسة منه سواد العيون فيه وسمرة بشرة تغازل الشّمس في كلّ المواسم،وشفتيّن كرزيتيْن كلّما تمتمتا اسمها بعثرها هناك وجعلها تعانق السّحاب، وتلامس عنان السّماء تتبخّر كالضّباب،تمتمة تلازمها حيث ما همّت كالمعوّذتين تتحصّن بها في حال الغياب كما الحضور…
كان الخجل يتملّكها وهي تتعلّم تمتمة اسمه ليلا قبل المنام ،وهي تملأ أنفاسها بعبق عطره الفرنسيّ الفاخر المرشوش تحت قميصه الأزرق السّماويّ الذّي يفوح اريجه في كلّ الأركان،صارت تميّز بين عطره الشّتوي وعطره الصّيفيّ وعطره الرّبيعي،كان رجلا استثنائيّا يمارس طقوس الإثارة بكلّ جسارة،وحين تهمّ الصبيّة بالاقتراب منه،يتبخّر ليغدُوَ سرابا…
كان يلاحقها كظلّها،يسكن كلّ زواياها ، كلّ
ركن من بنيانها،يكتبها يمحوها،يسجنها في الحضور ويسبيها في الغياب،يسمّيها من الأسماء بما يعنّ له،فهي مرّة جلّنار، وأخرى ربيبة الأسحار،وثالثة بيلسان، ورابعة سيّدة الحسان،حين تذكرها تنسى شطرها أو يزيد…
كانت مزهوّة وهو يسمّيها بشتّى زهوره ورياحينه،تملّكها الغرور وتمادت في الغلوّ،ما عادت ترى نفسها شبيهة النّساء،كلّهنّ في نظرها حزمة سراب،وتوالت الأيّام على الوتيرة وهي تخال ذاتها أميرة الأميرات على صرح من تحته لجّة وما كنت تعلم….
اخذتها الأيّام حتّى صارت تلك الصبيّة البهيّة أنثى بوعيها شقيّة…
سِنة من النّوم أدركت بعدها كم كانت في شعاب هواه غبيّة….
ذات حنين واعدت البحر والتقته،جلست في محرابه تناجيه كما كانت تفعل كلّما اشتاقت إلى طيفه،اقتربت منها صبيّة،باكية المدامع،يمزّقها النّدم وتجلدها سياط الخيانة..حاولت أن تخفّف عنها،بدأت تلك الصّبية تبوح وتسرد حكاية عشقها هي البلهاء مع دنجوان النّساء، قالت:” نرجسيّ كان،كامل الحسن كان، يراني سيّدة البهاء،كان يدعوني بكلّ الأسماء،فانا هند ورانية واسماء،وهيفاء…”
قلتُ هامسة:هل يتشابه الرّجال في عشقهم
ام تراها صدفة أن يتشابه حبيبي وحبيبها؟”
قلتُ لها بصوت مبحوح:”لم إذن البكاء؟”
قالت:”ذات غضب قال لي لا تغترّي أيّها البهاء فكلّ الأسماء التّي كنت أناديك بها هي أسماء عشيقاتي، وانت مغامرة من مغامراتي”…
خفق قلبي تسارع رجيفه أيّ صدفة هذه ؟أأكون أنا وإيّاها دميتيّن تسلّى بهما دنجوان كلّ الأزمان؟
سألتها بمرارة:هل كان من خانك يرتدي قميصا أزرقا سماويّا؟”
صرخت كمن لدغتها حيّة ومسكت فستاني تريد تمزيقه،أزبدت وقالت:” أنت عشيقته التّي خانني من أجلها “.
حاولت جاهدة أن أخلّص نفسي من براثنها وقلتُ وكلّي طعنات نازفة:”لا فحبيبك بطل رواية قرأتها في زمن غابر”.
ارتمت في أحضاني هي تنشج بصوت يمزّق النّياط، وأنا أنتحب وقلبي ينزف، ساحرة منّي،نادبة حظّي،ساخرة من انثى التحفت ذات دهر بوهم،وظنّت أنّها لا تشبه بقيّة النّساء….ليت زمني ينسيني إيّاه.
بنبض:د.القاصّة حياة بربوش 

