استشاري الصحة النفسية والإرشاد الأسري
كان سامي يدخل أي مكان كما لو أن الضوء خُلق من أجله.
لا يفتح بابًا إلا وابتسامته تسبقه، ولا يجلس في مجلس إلا ويحرص أن تلتف العيون حوله، كأن وجوده لا يكتمل إلا إذا كان محور المشهد.
في العمل، لم يكن الأكثر كفاءة، لكنه كان الأكثر حضورًا.
صوته أعلى قليلًا من اللازم، ضحكته أطول من الموقف، وحكاياته دائمًا تبدأ بـ أنا وتنتهي بـ ده بسببي.
وإذا شعر أن الانتباه انصرف عنه، داهمه قلق خفي، فيستعيد الأضواء بأي طريقة.
في أحد الاجتماعات، تجاهل المدير تعليقه، فابتلع سامي إهانة لم ينطق بها.
قاطع النقاش فجأة، حكى موقفًا شخصيًا، بالغ في انفعاله، ضحك أكثر مما يجب، فقط ليعود مركز المشهد.
نجح في لفت الأنظار، لكنه خرج من القاعة منهكًا، كمن أنهى عرضًا طويلًا دون تصفيق كافٍ.
في علاقاته العاطفية، كان سريع الاندفاع.
يمنح اهتمامًا مفرطًا، كلمات كبيرة، مشاعر صاخبة.
لكن مع أول لحظة هدوء، يتحول القلق إلى استعراض، والحب إلى مسرح، وكأنه يقول للطرف الآخر: انتبه لي… لا تختفِ.
ذات يوم، زار والدته.
جلس يحكي لها عن إنجازاته، عن إعجاب الناس به، عن شخصيته اللافتة.
كانت تهز رأسها دون تركيز، وعيناها معلقتان بالهاتف.
توقف فجأة وقال بنبرة طفل:
“شايفاني؟”
رفعت رأسها سريعًا وقالت:
“آه يا سامي، بس خليني أخلص المكالمة الأول.”
عاد إليه شعور قديم يعرفه جيدًا.
حين كان طفلًا، لا تنتبه له أمه إلا إذا بكى بصوت أعلى، أو مرض بشدة، أو بالغ في الفرح.
كان الهدوء يمر بلا ملاحظة، والعادية لا تستحق الالتفات.
في تلك الزيارة، لم يرفع صوته، لم يضحك، لم يحكِ قصة جديدة.
جلس صامتًا، كأنه يرى نفسه للمرة الأولى بلا أداء.
شعر أن كل المبالغة التي عاش بها لم تكن حبًا للظهور، بل محاولة يائسة كي لا يُنسى.
في تلك الليلة، جلس وحده.
لا جمهور، لا أضواء، لا إعجاب.
وبقي السؤال معلقًا:
من أكون إن توقفت عن التمثيل؟
سامي لم يكن أنانيًا كما ظنه الآخرون، بل خائفًا.
خائفًا من التجاهل، من الاختفاء، من أن يكون غير محبوب إذا كان على طبيعته.
وكانت رحلته الحقيقية تبدأ حين أدرك أن القيمة لا تُصنع بالصخب، بل بالقبول.
التحليل النفسي
تعكس شخصية سامي ملامح واضحة لاضطراب الشخصية الهستيرية، حيث يكون الاحتياج المفرط للانتباه، والمبالغة في التعبير الانفعالي، والخلط بين الإعجاب والحب سمات أساسية.
هذا الاضطراب غالبًا ما يرتبط بخبرات طفولة اتسمت بعدم الاستقرار العاطفي، أو بحب مشروط، حيث يتعلم الطفل أن الاهتمام لا يُمنح إلا مقابل أداء أو مبالغة.
موقف سامي مع والدته يوضح الجذر النفسي للسلوك؛ إذ ارتبط الشعور بالقيمة لديه بكونه مرئيًا ومسموعًا فقط عندما يضخم مشاعره.
ومع الوقت، تحولت هذه الآلية الدفاعية إلى نمط شخصية ثابت، يستخدمه لحماية ذاته من ألم التجاهل.
العلاج في مثل هذه الحالات لا يركز على كبح السلوك الظاهري فقط، بل على بناء شعور داخلي بالقيمة لا يعتمد على تصفيق الآخرين، ومساعدة الشخص على اختبار علاقات أكثر عمقًا وأقل استعراضًا، حيث يُقبل كما هو، لا كما يُؤدي.

