لن يحميك أحد من الموج المصري… ليست جملة إنشائية تُقال، ولا صيغة تهديد تُلوَّح بها، بل قراءة عميقة لطبيعة دولة تعرف وزنها، وتدرك متى تتكلم ومتى تصمت، ومتى تُرسل الرسائل مكتوبة، ومتى تجعل الوقائع هي اللغة الوحيدة الممكنة للفهم.
مصر، عبر تاريخها الطويل، لم تكن دولة ردود أفعال، بل دولة أفعال محسوبة، تتحرك ببطء الواثق لا بعجلة القَلِق، وتُدير ملفاتها الخارجية بمنطق الدولة العميقة لا بمنطق اللحظة. ومن هذا المنطلق، جاءت الرسالة التي حملها وزير خارجية الولايات المتحدة إلى أبي أحمد، لا بوصفها موقفًا عابرًا، بل باعتبارها خلاصة إدراك دولي متزايد بأن القاهرة ليست طرفًا هامشيًا في معادلات الإقليم، ولا يمكن تجاوزها أو اختبار صبرها دون حسابات دقيقة.
الموج المصري، حين يتحرك، لا يفعل ذلك بدافع الانفعال، بل بدافع حماية الثوابت. ثوابت الأمن القومي، وثوابت الجغرافيا، وثوابت التاريخ التي علمت مصر أن التفريط في الحق بداية فقدان الدولة، وأن الصمت الطويل لا يعني الغياب، بل الاستعداد. لذلك، فإن الرسائل المصرية ـ سواء المباشرة أو غير المباشرة ـ تحمل دائمًا معنى واحدًا: أن مصر لا تبحث عن صراع، لكنها لا تقبل فرض أمر واقع يمس مصالحها العليا.
إن قراءة الموقف المصري في السنوات الأخيرة تكشف عن تحوّل واضح من سياسة التحذير اللفظي إلى سياسة ترسيخ الخطوط الحمراء، ومن الدبلوماسية الناعمة وحدها إلى دبلوماسية توازن بين الحكمة والقوة. وهذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل نتج عن إدراك عميق لطبيعة المرحلة، وتعقيد الإقليم، وتداخل المصالح الدولية، حيث لم تعد النوايا الحسنة وحدها كافية لحماية الحقوق.
وحين تُنقل رسالة القاهرة عبر واشنطن الى اثيوبيا بهذه الطريقة ، فإن ذلك يعكس احترامًا دوليًا لمكانة الدولة المصرية، وإقرارًا ضمنيًا بأن أي اضطراب في حساباتها قد يفتح أبوابًا لا يرغب أحد في طرقها. فمصر ليست دولة تبحث عن دور، بل دولة يُفرض دورها بحكم الجغرافيا والتاريخ والقدرة. وهي حين تقول كلمتها، فإنها تفعل ذلك بعد أن تكون قد أعدّت لكل احتمال حسابه.
إن القيادة السياسية في مصر، وعلى رأسها الرئيس عبد الفتاح السيسي، أدارت الملف المائي وغيره بعقل بارد وإرادة صلبة، واضعة نصب عينيها مصلحة الدولة لا تصفيق اللحظة، ومقدّمة منطق الدولة على أي اعتبارات عاطفية أو شعبوية. فالدولة التي تحترم نفسها لا ترفع صوتها إلا حين يكون الصمت خطرًا، ولا تتحرك إلا حين يكون التحرك ضرورة.
ولهذا، فإن الرسالة الأخيرة ليست نهاية مسار، بل محطة في مسار طويل من تثبيت الحق، وتأكيد الحضور، وفرض الاحترام. رسالة تقول بوضوح إن مصر لا تُبتز، ولا تُستدرج، ولا تُدار من الخارج، وإن خياراتها دائمًا مفتوحة بقدر ما هي مسؤولة.
في النهاية، قد تختلف القراءات، وتتباين التفسيرات، لكن الثابت أن مصر حين تتحرك، فإنها تفعل ذلك باسم شعب يعرف قيمة دولته، وباسم تاريخ لا يقبل أن يُختزل، وباسم مستقبل لا يُدار بالصدفة. ومن لا يفهم معنى الغضب المصري، فالتاريخ كفيل بأن يعلّمه… ولكن بعد فوات الأوان.

