لقد خلق الله تعالى في سمات البشر الشيء ونقيضه، وما بينهما خط حريري صغير لا يدركه ويراه ويتجنبه إلا ذو قلب نظيف وسجية نقية. فالجنة خلقها الله سبحانه وتعالى ليهديها آدم الذي أحبه وفضله على مخلوق خُلق من نار، وآدم خُلق من طين، وجعل بداخله كل خير ونقيضه. فالجنة وعد، ومن يدرك هذه الخطوط ينالها.
ولو بحثنا في هذه الخطوط لوجدنا أن بين الكبرياء والكِبر خطًا رفيعًا. فاعتزاز الشخص بكرامته كبرياء، فإن تجاوز الخط تحول إلى كِبر. وما بين الثقة والغرور خط أيضًا، فإن شعر الإنسان بمهاراته ووثق بنفسه وسعى في الأرض يجاهد، يسقط مرة ويقاوم مرة، وقامته مرفوعة، وعلى يقين من كرم الله له، فهذه ثقة. فإن تجاوز الحد، تحولت الثقة إلى غرور.
الاحتواء لكل من حولك حب ونعمة يحتاجها البشر، فإن تحول الاحتواء إلى تسلط، نكون قد عبرنا الخط الحريري.
أما النصرة فهي محبوبة جدًا ممن يحتويك، وتجعلك تشعر بشعور سامٍ. فإن أخبرك شخص أنه يحتويك، وأوقعتك الظروف في موقف ما، وفجأة وجدت من وعدك يومًا ما بالاحتواء يناصِر من وضعك في هذا الموقف، بل يدعمه، فقد تعدينا الخيط الحريري إلى التخلي.
الروح الإنسانية أعقد ما تكون، وهذه حقيقة وليست رأيًا شخصيًا أو دراسة. فقد أعطى الله نبينا مفاتيح كل شيء وقرآنًا معجزًا إلى يوم القيامة. السر الوحيد الذي احتفظ به رب العزة لجلاله ولم يخبر به أحدًا من أنبيائه هو سر الروح الإنسانية، فيقول تعالى في محكم تنزيله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85].
لذا، تعودت في هذه الحياة أن أرى في هذه الآية الكريمة الخلاص من كل مشاكلي، ولا أطلب من البشر برمتهم أي معنى أو احتواء أو نصرة. كيف أترك من بيده سري وأبحث فيمن يجهلون سرهم؟ أمشي في هذا الكون وأنا أشعر باحتوائه هو فقط، ونجدته ونصرته، ولا أنتظر من مخلوق على هذه الأرض شيئًا. وأفتش في أعماقي فأتمسك بكل شيء خلقه بداخلي ونقيضه.
احترس من شبكة الخيوط العنكبوتية التي أراها الخلاص من كل ظلام بداخلي. أعبر بخيط الثقة لأتجاوز خيط الغرور، وأعبر بخيط الكبرياء لأتجاوز خيط التكبر. ويوجد بداخلي بؤرة الهوان والانكسار إن سقط مني خيط الكبرياء. لذا، أنت فقط من تستطيع أن تكون كما يحبك الله أن تكون، ولا تنظر بين البشر لتكمل ما نقص لديك. لدى الله وحده فقط الخلاص. جميعهم لا يملكون لك شيئًا، ومنهم من تاه بداخله ولم يدرك هذه الخطوط الحريرية، فتحولت الثقة عنده إلى غرور، والاحتواء إلى تسلط. فأنت في غنى عن ذلك، ارفع بداخلك يدك لرب السماء.

