حين أتحدث معك، أشعر بأن الزمن ليس خيطاً واحداً يمر من مثلث الكلمات، بل حبلان متوازيان يشقان النهار: أحدهما يمر وكأنه شعاع يلمع من عينيك، والآخر يظل كظلالٍ طويلة حين تغيبين. الثانية حين نكون معاً تتساقط حولنا الدقائق كأوراق من نور، وتنداح الكلمات بيننا كأنها خطوات رشيقة على سطح ماء، تقرّبنا أكثر فأكثر وتترك في القلب طمأنينة لا تقاوم. في تلك اللحظة، يبدُو الزمن كأنه يمر بسرعة خفيفة، كأن كل ثانية توّلتها السرور وأعادت خلقها في كلماتك، في ابتسامتك، في دفء وجودك.
وإذا ما ابتعد حديثك، أو غاب ضوئك عن حياتي، حينها يتبدل المزاج وتتحول اللحظةُ إلى شيءٍ آخر: كأن الساعة تتوقف عند نافذةٍ من صمت، وتتراكم ثوانٍ طويلة كأنها سنين. كأن الزمن يقول لي: “انتظر، فالنور سيعود، ستعودين أنتِ”. وفي هذا الانتظار نجد الشوق يتضاعف، وتطول المسافة بين نبضينا كما لو أننا في عالمين يفصل بينهما سكونٌ عميق.
الزمن عند الحُب ليس معادلة ميكانيكية، بل كلمحة قلبٍ يبحث عن وجه الحبيب في كل زاوية. حين نكون مع من نحب، تتسع ساعاتنا وتضيق كاللحظات العادية؛ وحين نفترق، تتحول الساعات إلى سنوات من الانتظار، تتزاحم الذكريات وتتشبَّث بنا حتى تعود اللحظة الأولى، حينها فقط نعرف أن الحب ليس مجرد شعور بل تجربة إدراكٍ للزمن نفسه.
في هذا التماوج بين وجهين للزمن، نُدرك أن وجودك يجعل العالم يبدو أقصر حين تقتربين، وأطول حين تغيبين. وكلما أحبّ القلب أن يعبر عن نفسه بصدق، وجد الكلمات لا تكفي لوصف ذلك التدفق: كيف تمرّ الأشياء بسرعة حين نمضي معاً، وكيف يطول الليل عندما يفتقدك الصوت.

