من بين الركام تنبت الزهرة ومن بين الرماد يولد العطر هكذا هي القلوب حين يزهر فيها الأمل بعد طول وجع
هناك لحظة لا يعرفها إلا من ذاق انكسارا حتى العظم حين ينهض القلب بعد أن حسب الجميع أنه انتهى
لحظة تشبه المعجزة لا تأتي دفعة واحدة بل تتسلل كنسمة خفيفة بين أطلال الألم كابتسامة باهتة على وجه اعتاد الدموع
حين يزهر القلب بعد الخراب كأن الله يقول لك ما زال فيك خير كثير وما زلت قادرا على الحياة رغم كل ما تهدم
القلب يا صديقي لا يموت من الوجع بل يتبدل
يتقشر منه الزيف وتتساقط عنه أوراق التعلق ليبقى فيه جوهره الصافي ذاك الجزء الذي لا تلمسه الخيبات مهما كثرت
فبعد الخراب لا يعود القلب كما كان بل يصير أكثر فهما أكثر هدوءا وأقل خوفا من الرحيل والفقد
يتعلم أن الحب لا يقاس بالبقاء بل بالصدق وأن النهايات ليست دائما انكسارات بل أحيانا خلاص من وجع كان يجب أن ينتهي
حين يزهر القلب بعد الخراب لا يحتاج إلى ضجيج أو تصفيق
يكفيه أن يشعر بخفة لم يعرفها من قبل أن يستيقظ صباحا دون أن يوجعه الأمس أن يبتسم دون سبب واضح وأن يشعر أن الحياة لم تعد تؤلمه كما كانت
هو لا ينسى لكنه يتصالح مع ذاكرته ويضع الألم في مكانه الصحيح درسا لا لعنة تجربة لا هزيمة
كل الخراب الذي مررت به لم يكن عبثا
لقد كان الأرض التي نضج فيها وعيك والمطر الذي غسل عنك سذاجة البدايات والعاصفة التي اقتلعت من داخلك جذور الضعف
وحين هدأت الرياح وجدت نفسك تقف في منتصف حياتك مكسورا قليلا نعم لكن واقفا
تتأمل الدمار من حولك وتقول بثقة صامتة ما عاد يؤلمني ما مر لأنني أصبحت منه
حين يزهر القلب بعد الخراب يصير أكثر حنانا مع الآخرين
يفهم وجعهم دون أن يسألوه يربت على أرواحهم كما لو كان يواسي نفسه القديمة فيهم
يتعلم أن اللين ليس ضعفا وأن الطيبة ليست سذاجة وأن القسوة لا تبني جدارا يحمي بل قفصا يميت
فمن ذاق الخراب يعرف قيمة البسمة ومن عاش الانطفاء يعرف معنى الضوء حين يعود
القلب المزهر بعد الخراب لا يخاف الحب من جديد
لكنه لا يعطيه كما كان يفعل أول مرة
صار يزرع بحذر ويحب بصمت ويدعو دون انتظار
لقد أدرك أن الحب ليس أن تجد من يكملك بل أن تجد من لا ينقصك
وأن الله حين يكتب لك نجاة فإنه لا يعيد لك ما فقدت بل يمنحك ما تستحق
وحين تزهر روحك بعد أن خلت أنك انتهيت تفهم سر الله في كل وجع مضى
أنك كنت تهدم لتبنى على طهارة وتكسر لتُصاغ من جديد بشكل أجمل
أنك كنت تمر في ليل طويل لتصل إلى صباح لا يشبه أي صباح مضى
فتضحك لا لأنك نسيت بل لأنك فهمت
فهمت أن الخراب لم يكن النهاية بل البداية الحقيقية للحياة التي تشبهك
فابتسم يا صديقي
فما دام الله في قلبك فلن يخلو الخراب من زهرة
ولن تمر عاصفة إلا وتترك وراءها بذرة حياة جديدة تنبت في صمت جميل
فالقلب الذي نجا من الألم لا يكسره شيء بعد الآن
لأنه ببساطة تعلم كيف يزهر حتى بعد الخراب

