ما أقسى أن تأتي الأشياء بعد أوانها وما أوجع أن نلتقي بالفرص في زمن لم نعد فيه كما كنا
هناك لحظات تمضي كأنها لم تكن لكنها تترك فينا أثرا لا يمحى
ولحظات أخرى ننتظرها طويلا وحين تأتي نكون نحن من تغير لا هي
تلك هي خيانة الوقت حين لا يجيء كما تمنيناه ولا يمنحنا ما حلمنا به في حينه بل يؤجل كل شيء حتى يفقد بريقه ويصبح اللقاء عبئا بعد أن كان أمنية
حين يخوننا الوقت ندرك أن العمر ليس بعدد السنوات بل بعدد اللحظات التي لم نعرف كيف نعيشها
نندم على صمت كان يجب أن يكسر وعلى كلام تأخر حتى لم يعد له مكان
نلوم أنفسنا لأننا لم نقبض على اللحظة حين كانت في متناولنا وتركناها تفلت من بين أيدينا كالماء
كأننا كنا نؤجل الحياة بانتظار وقت أنسب وها هو الوقت يمضي دون أن يمنحنا فرصة العيش كما أردنا
كم من حب تأخر ففقد طهر بدايته
وكم من صلح تمنيناه لكنه جاء بعد أن بردت القلوب وجفت الودائع
كم من لقاء حلمنا به لكنه حدث في زمن لا يحتمل الدهشة ولا ينبت فرحا كما كان من قبل
الوقت لا يرحم من يظن أنه يملك ترف الانتظار فهو يمضي ويمضي معه كل ما لم نقله وكل ما لم نفعله وكل من لم نحتفظ بهم في اللحظة التي وجب فيها البقاء
حين تغادرنا اللحظة نكتشف أن الحياة لا تعاد وأن أكثر ما يؤلمنا ليس ما حدث بل ما لم يحدث
ذلك الحوار الذي سكتنا عنه تلك النظرة التي خبأناها خجلا وتلك الفرصة التي هربت لأننا انتظرنا إشارة لن تأتي
ثم نكبر فنفهم أن العمر ليس كرما في الوقت وأن الغد ليس وعدا مضمونا
وأن ما لا يقال اليوم سيبقى وجعا مؤجلا في صدر الغد
حين يخوننا الوقت يصبح الحنين سيد المشهد
نعود بأفكارنا إلى الأمس نحاول أن نعيد ترتيب اللحظات أن نغير القرار أن نمد يدا إلى ما فات
لكن الماضي لا يمد يده إلينا يكتفي بالنظر إلينا من بعيد بابتسامة هادئة كأنها تقول فات الأوان
وما أقسى تلك العبارة حين تقال بملامح الصمت لا بالكلمات
نحن لا نهزم حين نفشل بل حين نفقد اللحظة
حين نصبح غرباء عن زماننا نعيش الحاضر بعقل يسكن الأمس وقلب يركض نحو الغد
نتعلم متأخرين أن كل ما مضى كان يستحق أكثر من التردد وأكثر من الخوف وأن أجمل ما في الحياة لا ينتظر بل يؤخذ حين يطل
لكننا ندرك هذا بعد أن يغادر كل شيء بعد أن يخوننا الوقت ويغلق الأبواب برفق لا يحتمل
ومع ذلك يبقى في القلب يقين خافت أن الله لا يضيع لحظة كانت لنا حقا
وأن ما خسرناه ربما لم يكن نصيبا بل حماية
فكل ما رحل في موعد مؤلم كان يمكن أن يرهقنا لو طال وكل ما تأخر ربما جاء لينقذنا من طريق كنا سنؤذي فيه أنفسنا
حين يخوننا الوقت وتغادرنا اللحظة لا نملك إلا أن نغفر للقدر ونسامح أنفسنا ونواصل المسير
فالعمر لا ينتظر الندم واللحظات التي ضاعت لن تعود لكننا نستطيع أن نصنع من القادم ما يشبه ما فقدناه
أن نعيش اللحظة القادمة كأنها الأخيرة أن نحب دون خوف ونقول دون تأجيل ونعطي دون حساب لعلنا نعوض بما تبقى ما سرقه الوقت منا
ففي النهاية ليست الخيانة في الوقت ذاته بل فينا نحن
حين نظن أن اللحظة ستنتظرنا بينما هي كالحياة لا تنتظر أحدا

