حين يتعلم الإنسان أن يقف من جديد يبدأ وكأنه يولد مرة أخرى يولد بنظرة مختلفة للأشياء وبرؤية أعمق وهدوء لم يعرفه من قبل يكتشف أنه لم يعد الشخص الذي يسقط بسهولة ولا ذلك الذي يصدق كل ما يلمع أمامه الوقوف بعد السقوط لا يحدث في لحظة واحدة بل هو نتيجة ليال طويلة من التفكير والصمت ومحاولات خفية لإصلاح ما انكسر داخله ليال يظن فيها أنه انتهى ثم يكتشف
أنه لم يبدأ بعد يتعلم الإنسان أن الأشياء التي فقدها لم تكن قدره وأن الخسارات مهما وجعت فهي ليست نهاية الطريق بل أبواب جديدة تفتح حين يقرر أن ينهض من آخر نقطة هزمته يعرف أن الألم لا يأتي ليكسرنا بل ليعلمنا وأن الضعف ليس عيبا بل طريقا أوليا نحو القوة وأن العودة إلى الذات أهم من أي عودة أخرى ومع كل محاولة للوقوف من جديد يتغير داخله شيء لا يعود كما كان
يصبح أكثر وعيا بما يعطيه للناس أكثر فهما لما يستحق أن يبقى في حياته وأقل اندفاعا نحو الذين لا يستحقون مكانا في روحه يبدأ في تقدير تلك التفاصيل الصغيرة التي كان يمر عليها دون أن يلتفت ضحكة صادقة كلمة طيبة حضن يشعره بالأمان وراحة داخلية لا يعرف مصدرها لكنها تقول له إنه ما زال قادرا على الحياة وفي لحظات الوقوف الأولى يفهم دروسا كان يرفضها يفهم أن
الأشخاص الذين غادروه لم يكونوا جزءا من مستقبله وأن الأبواب التي أغلقت لم تكن مناسبته وأن ما تأخر عنه قد يكون ما سينقذه لاحقا يدرك أن العلاقات لا تقاس بطولها بل بصدقها وأن الذين يحبونه حقا لن يجعلوه يتساءل كل يوم هل ما زال مهمًا لديهم أم لا ويقف الإنسان من جديد حين يتقبل ضعفه بدل أن يخفيه وحين يختار سلامه بدل أي معركة بلا قيمة وحين يفهم أن الصمت في
كثير من الأحيان أقوى من ألف كلمة يتوقف عن الدفاع عن نفسه أمام من لا يريده ويتوقف عن شرح قلبه لمن لا يفهمه ويترك الأشياء تسقط من تلقاء نفسها حين يكتشف أنها لم تكن تستحق أن يحملها فوق روحه ومع كل وقفة جديدة يعود الإنسان أكثر خفة يصبح أقل رغبة في الانتقام أقل انشغالا بالماضي أقل حاجة لإثبات نفسه وأكثر قدرة على أن يبتسم بصدق بعد سنوات من الغبار الذي
غطى قلبه يعرف أن الصبر ليس ضعفا وأن العفو ليس هزيمة وأن العودة إلى الطريق بعد الانكسار انتصار أكبر من أي انتصار آخر ويقف الإنسان من جديد لأنه أدرك أن الأيام التي ضاعت لن تعود وأن الذين رحلوا ليسوا جزءا من رحلته القادمة وأن الحزن مهما طال لن يقتل داخله تلك الشرارة الصغيرة التي تتمسك بالحياة يعرف أن أعظم لحظاته شجاعة كانت تلك اللحظة التي نهض فيها
رغم ثقل كل شيء وتلك المرة التي ابتسم فيها رغم أنه لم يكن بخير وحين يقف مرة أخرى يكتشف نفسه بشكل مختلف يكتشف أنه لم يعد ذلك الشخص الذي كان يحتاج للآخرين كي يمنحوه قيمته بل أصبح يعرف قيمته وحده لم يعد يخاف الوحدة بل يخاف أن يفقد نفسه من أجل أحد ولم يعد يركض وراء أبواب مغلقة بل صار يفتح لنفسه بابا جديدا كلما أغلق باب أمامه ومع لحظات
النهوض يكتشف أن قلبه لم يكن مكسورا من الآخرين بقدر ما كان مكسورا منه هو لأنه صدق ما لا يجب أن يصدق وانتظر من لا يجب أن ينتظر وأعطى من لم يكن يستحق ومع بداية الوقوف يفهم أنه ليس مطالبا بأن يكون قويا طوال الوقت وأن البكاء ليس ضعفا وأن خوفه ليس نهاية الطريق بل بداية لفهمه الحقيقي لذاته وأن كل جرح تلقاه كان يهيئه لشكل مختلف منه أكثر ثباتا وأشد
وعيا بالحياة ويواصل الإنسان الوقوف حين يبدأ يدرك أن السعادة ليست شيئا يمنحه له الناس بل شيء يبنيه هو بقراراته وبحدوده وبقدرته على قول لا حين يجب أن يقولها وأن الراحة ليست مكانا بل حالة قلب وأن أجمل ما يحدث للإنسان هو أن يجد نفسه بعد سنوات كان يظن فيها أنه ضائع وفي اللحظة التي يكتمل فيها وقوفه يشعر بشيء يشبه الولادة الجديدة وكأنه خرج من كل تلك
الأحداث بوجه آخر بروح أكثر اتساعا بقلب أقل تعلقا بأحد وأكثر تعلقا بما يستحق فعلا وفي عمق هذا الوقوف يفهم أن الله لا يخذله أبدا وأن كل سقوط كان دفعا لطريق أنظف وأنقى وأعمق وأن كل تأخير كان حماية وأن كل فقد كان بداية لا نهاية وفي النهاية حين ينظر الإنسان وراءه يدرك أن الوقوف لم يكن مجرد مرحلة بل كان خلاصا وأن الطريق الذي عاد إليه كان هو الطريق الصحيح منذ
البداية لكنه لم يكن ناضجا ليسير فيه وحين يتعلم الإنسان أن يقف من جديد يصبح أكبر من ألمه وأوسع من خوفه وأجرأ من أمسه ويعرف أنه مهما سقط سيعود دائما لأن سقوطه لم يعد نهاية بل نقطة بداية جديدة أجمل مما تخيل ويواصل الإنسان امتداد الوقوف حين يبدأ يعرف أن القوة الحقيقية ليست هي القدرة على مواجهة العالم بل القدرة على مواجهة نفسه حين يعود من صراعاته
الداخلية أكثر تصالحا مع ذاته حين يسمح لنفسه بأن يتنفس بلا خوف وأن يتراجع بلا خجل وأن يعترف بأنه يحتاج وقتا ليشفى وأن بعض الطرق لا تصلح لروحه حتى لو أحبها لبعض الوقت ومع اتساع هذا الإدراك يتغير داخله شكل المعاني فيعرف أن النجاح ليس كثيرا من التصفيق بل قليل من الرضا وأن الحب ليس كثيرا من الوعود بل كثير من الفهم والاحتواء وأن الراحة ليست في
بعدها عن الناس بل في قربه من نفسه التي أهملها زمانا طويلا ويواصل الإنسان الوقوف حين يبدأ يبحث عن تلك المساحات الهادئة التي تشبهه عن الأماكن التي لا تحمله فوق طاقته وعن الوجوه التي لا تستهلك صبره وعن الكلمات التي لا تزيد جراحه حتى لو سمعها من أقرب الناس إليه ويعرف أنه لم يعد صالحا للعودة إلى نفسه القديمة التي كانت تبيع سلامها من أجل أن تبقى
الأشياء كما هي وأنه لم يعد يريد تلك الحكايات الناقصة التي تبقيه معلقا بين الأبدي والمستحيل بل يريد طريقا واضحا لا يحتاج أن يثبت فيه شيئا لأحد سوى لنفسه ويواصل الإنسان الوقوف حين يفهم أن قلبه لا يجب أن يسلم لكل عابر وأن روحه لا ينبغي أن تهدر في أماكن لا ترى قيمتها وأن الوقت الذي قضاه محاولا إصلاح ما لا يصلح كان درسا قاسيا لكنه كان الطريق الوحيد ليعرف أين يجب
أن يضع نفسه وفي كل خطوة جديدة يشعر بأنه أخف وكأنه تخلص من سنوات من التعب الذي كان يحمله على كتفيه يشعر بأنه أقرب إلى ذاته إلى حقيقته إلى صوته الداخلي الذي كان يخفت وسط ضجيج الناس ووسط محاولاته لإرضاء الجميع ويعرف في النهاية أن الوقوف ليس لحظة يصل إليها بل رحلة تمتد معه في كل يوم يختار فيه أن يكمل رغم ما فقد وأن ينهض رغم ما كسر وأن يبتسم
رغم ما انكسر داخله وأن يعرف أن الحياة لا تحتاج منه أن يكون كاملا بل تحتاجه أن يكون صادقا مع نفسه وأن يقبل فوضاه وضعفه وتعبه ويعطي نفسه الحق في أن يستريح ويبدأ من جديد دون خوف ودون أن يشعر أنه أقل من أحد لأن الوقوف بعد السقوط ليس للجميع لكنه لمن امتلك شجاعة أن يقول لنفسه أنا ما زلت قادرا لأكمل مهما حدث

