لم يعد الحديث عن القراءة ترفًا ثقافيًا أو نشاطًا نخبويًا يقتصر على فئة بعينها، بل أصبحت القراءة اليوم أحد أهم أدوات القوة الناعمة التي تمتلكها الدول لبناء الوعي، وصياغة الهوية، وحماية المجتمعات من الانغلاق والتطرف.
وفي هذا الإطار، تأتي الدورة السابعة والخمسون من معرض القاهرة الدولي للكتاب لتؤكد أن مصر لا تنظر إلى الثقافة باعتبارها هامشًا، بل تراها ركيزة أساسية من ركائز الأمن القومي وبناء الإنسان.
فمعرض القاهرة الدولي للكتاب لم يعد مجرد مساحة لبيع الكتب، وإنما تحول إلى مهرجان ثقافي وفكري شامل، ومنصة حوار حضاري مفتوحة، تلتقي فيها الأفكار، وتتقاطع فيها الرؤى، وتتجسد فيها رسالة الدولة المصرية تجاه المعرفة والوعي.
لقد تجاوزت القراءة كونها فعلًا فرديًا، لتصبح أداة استراتيجية قادرة على صناعة الوعي الجمعي وتشكيل العقل النقدي، وهو ما ينعكس بوضوح في حجم المشاركة الجماهيرية الواسعة، وتنوع المحتوى الفكري الذي يقدمه المعرض من تاريخ وفكر وعلوم وإنسانيات.
فالاستثمار الحقيقي لأي دولة يبدأ من العقل، ومعرض الكتاب يفتح المجال أمام ملايين الزوار لاكتساب المعرفة، والتمييز بين الحقيقة والتضليل، بما يسهم في تحصين المجتمع فكريًا ضد محاولات التطرف وتشويه الوعي.
كما يمثل معرض القاهرة الدولي للكتاب منصة دبلوماسية ثقافية بامتياز، حيث تشارك عشرات الدول بدور نشرها ومفكريها، في مشهد يعكس مكانة مصر الثقافية إقليميًا ودوليًا.
فالكتاب هنا يصبح سفيرًا صامتًا للدولة، ينقل صورتها الحضارية، ويعكس عمقها التاريخي وتنوعها الفكري، ويؤكد أن الثقافة لغة عالمية لا تحتاج إلى ترجمة.
ويولي المعرض اهتمامًا خاصًا بالشباب والنشء، من خلال تنظيم فعاليات تناقش قضايا العصر الملحة، مثل الذكاء الاصطناعي، والهوية، والإعلام، والوعي الرقمي، بما يحول القوة الناعمة من تأثير مؤقت إلى تأثير ممتد عبر الأجيال، ويؤسس لجيل قادر على الفهم والتحليل والاختيار الواعي.
إن معرض القاهرة الدولي للكتاب يقدم نموذجًا لدولة تؤمن بأن المعرفة أقوى من السلاح، وأن الوعي هو خط الدفاع الأول عن المجتمعات. ويؤكد أن القراءة ليست ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة وطنية وركيزة أساسية في بناء الصورة الذهنية للدولة المصرية.
وحين تراهن الدولة المصرية، في ظل قيادة فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، على العقل المصري، وتفتح أبواب المعرفة أمام الجميع، فإنها تمتلك بالفعل أقوى أدوات التأثير.
فالقوة الناعمة لا تُفرض، بل تُصنع، وهي تصنع الإنسان، وتحمي الهوية، وتكتب المستقبل بوعي وفكر.

