في لحظة من لحظات السكون حين يسكت كل شيء حولنا ويعلو صوت النبض على ضجيج العالم تشعر وكأن السماء توشك أن تبوح بما تخفيه الغيوم تلك الغيوم التي تمر في أعالي الأفق لا تحمل مطرا فقط بل تحمل حكايات وأسرارا دموعا مؤجلة وأمنيات ظلت معلقة بين الأرض والسماء هناك فوق حيث يتماهى الضوء مع الغيم تتكون القصص التي لم ترو بعد وتولد المعاني التي لم تجد بعد من ينطقها يقال إن السماء تعرف كل ما نخفيه وتخزن أنيننا في طياتها كما يخزن البحر الملح في أعماقه وحين يفيض صبر الغيم يهطل المطر كأنه توبة الطبيعة ودموعها التي تغسل بها وجع الأرض
في كل قطرة مطر اعتراف خفي وندم جميل في كل برق يلمع فكرة لم تكتمل وفي كل رعد يتردد صرخة قلب ظل صامتا طويلا
هكذا تتكلم السماء ولكن بلغتها الخاصة لغة لا تسمع بالأذن بل تحس بالقلب كثيرا ما نتساءل هل تشبهنا الغيوم نحن أيضا نحمل أثقالا لا ترى نبتسم كي لا يكتشف أحد العاصفة التي تعصف بنا من الداخل
نؤجل البكاء حتى يشتد الوجع ثم نمطر فجأة على هيئة دموع أو كلمات أو صمت طويل نحن غيوم بشرية نحمل فينا الضوء والظلمة الحب والخوف الرجاء والانكسار نحن ببساطة مزيج من السماء والأرض نحيا بين الفقد والأمل كما تحيا الغيوم بين العلو والانهمار
أحيانا لا نحتاج إلى كثير من الكلمات لنفهم ما يجري بداخلنا بل إلى نظرة نحو الأفق حيث الغيوم تمضي كما نمضي نحن تتشكل تتبدل ثم تتلاشى لكنها لا تختفي عبثا بل تسافر لتولد من جديد في مكان آخر كما تولد أحلامنا بعد الانكسار تتبدل ملامحها ولكنها تبقى هي الجوهر ذاته والرحلة ذاتها والحنين ذاته كم من مرة نظرنا إلى الغيوم وظنناها رمادية قاتمة ثم ما لبثت أن انفرجت لتظهر شمسا لم نكن نعلم أنها كانت تنتظر خلفها كذلك الحياة تخفي عنا النور أحيانا كي ندرك قيمته حين يعود وكم من وجع ظنناه النهاية فإذا به البداية لشيء أعمق أجمل أنضج فالسماء لا تبكي عبثا كما أن القلوب لا تنكسر بلا سبب حين تبوح السماء بما تخفيه الغيوم تذكر أن في داخل كل إنسان سماءه الخاصة سماء تمطر حين يضيق صدره وتبرق حين يدرك الحقيقة وتصفو حين يسامح هناك في أعماقك سحابة تنتظر الريح المناسبة لتتحرك فلا تخف من الهطول ولا تحزن إن تأخر الغيث كل ما هو آت يحمل خيرا وإن بدا لك مؤلما يا صديقي تعلم من السماء سر الصبر ومن الغيوم فن التخفي ومن المطر معنى العطاء كن كالسحاب لا يترك أثره إلا بالخير ولا يعلو إلا تواضعا وإن ضاقت بك الأرض فارفع رأسك نحو السماء فهناك دائما رحابة لا تنتهي ونور لا يخبو وأمل لا يموت فالغيوم لا تبقى إلى الأبد لكنها كل مرة ترحل فيها تترك خلفها حياة تنبت من جديد وهكذا نحن نرحل عن لحظة لنزهر في أخرى نمضي مثقلين بالهموم لكننا نعود ممتلئين بالنور فالسماء وإن بكت لا تنسى أن تبتسم بعد المطر

