لم يكن موت القلب حدثا عابرا ولا لحظة تنسى مع مرور الوقت كان انهيارا عظيما يشبه سقوط جبل ظل واقفا لسنوات يصد الرياح ويتحمل المطر ويحتفظ بصلابته رغم الشقوق التي تجري في داخله ولا يراها أحد كنت أعلم أن قلبي منهك كنت أسمع صريره
في كل مرة يحاول فيها النهوض من جرح جديد لكنني لم أتخيل أنه سيصل إلى النهاية بهذه السرعة ولا أنه سيموت وأنا ما زلت أصر على أن الحياة ستعطيه سببا ليعيش
لم يمت القلب لأن الحب قليل بل لأن الخذلان كان كثيرا
لم يمت لأنه ضعيف بل لأن القسوة كانت أكبر من احتماله
لم يمت فجأة بل مات بالتراكم كلمة تمدته بالألم موقف يزيد نزيفه
انتظار يثقل نبضه وصبر يهدر عمره
كان يختنق كل يوم وأنا أظنه يتحمل
كان يتعب كل يوم وأنا أظنه يقاوم
كان ينهار كل يوم وأنا أظنه يقف من جديد
حتى جاء اليوم الذي لم يعد فيه قادرا على أن يقف ولا أن يرفرف ولا أن يصد ضربة واحدة أخرى شعرت حينها بأن شيئا داخلي انكسر انكسر بانطفاء كامل كأن الحياة كلها سحبت من صدري دفعة واحدة
نعم في تلك اللحظة مات القلب
ومع أنني كنت أتوقع موته منذ زمن إلا أن الألم فاجأني كما لو أنني أسمع خبر وفاة أعز إنسان علي
حملته داخلي كما يحمل المرء طفلا نائما للمرة الأخيرة شعرت بثقله لا وزنا بل وجعا وعرفت أنني سأدفنه ليس في الأرض بل في عمق لا يزوره أحد حفرت له قبرا في نفسي وسكبت فوقه كل ما تبقى من الكبرياء ثم وضعت عليه حجرا من الصمت كي لا يقترب منه الماضي ولا ينبشه المستقبل
ومنذ لحظة دفنه تغير كل شيء في حياتي
لم أعد أبحث عن كلمات تشبه البلسم فقد اكتشفت أنها لا تشفي
لم أعد أركض خلف أحد فقد فهمت أن من يريد البقاء لا يتركني للنزيف
لم أعد أبكي فدموعي جفت يوم مات آخر ما كان يستحق أن تذرف لأجله
صرت إنسانا مختلفا
أصمت أكثر وأرى بوضوح أكبر وأشعر أنني أمشي بحذر كمن عرف أن الطريق مليء بالألغام
لم أعد أسمح لأحد بالدخول دون أن يطرق
لم أعد أسمح لأحد بالاقتراب دون أن يثبت أنه لن يكرر الجريمة ذاتها
ورغم كل هذا
لم أتحول إلى حجر
ما زلت أحس لكن بوعي مؤلم
وما زلت أعطي لكن دون أن أفني نفسي
وما زلت أحب لكن من بعيد بعيد يكفي كي لا أدفن شيئا آخر
لقد مات القلب ودفنته لكنني لم أمت معه
أنا الآن إنسان ولد من الرماد يعرف قيمة نفسه جيدا ويعرف أن من يترك نبضك يموت بين يديه لا يستحق أن يسمعك تناديه من جديد
وهكذا
سأمشي حتى وإن كان في صدري قبر
سأعيش حتى وإن لم يعد هناك نبض
وسأكتب حتى وإن كانت كل كلمة تذكرني أن آخر ما كان حيا في داخلي تركته تحت التراب

