—
مقدمة:
بينما تستعد الشوارع للانتخابات البرلمانية، لا يكتفي المرشحون باللافتات والشعارات، بل نراهم في صورة “المنقذ” الذي يموّل، ويصلّح، ويمهّد، ويتبرع.
في مشهد يبدو للوهلة الأولى بطوليًّا، لكنه في عمقه يعكس غياب الدولة عن أداء واجبها الأساسي، وتحول المرشح إلى بديل مؤقت عنها.
هذا التحقيق يرصد الظاهرة من خلال متابعة منشورات “فيسبوك” ونتائج البحث على “جوجل”، ويحلل أبعادها الاجتماعية والسياسية.
—
العنوان: الدولة الغائبة… والمرشح الذي يحلّ محلّها
في موسم الانتخابات، تتبدّل أدوار السياسة في الشارع المصري. فبدل أن يكون المرشح صوتًا للتشريع والرقابة، يتحول في نظر الناس إلى فاعل خير ومموّلٍ للخدمات العامة.
هذا يتبرع لإصلاح المستشفى، وذاك يشتري جرارًا لجمع القمامة، وآخر يفرش الطريق بالرمال الصفراء لتسهيله.
مشاهد تتكرر في القرى والمدن، حتى كأن المرشحين باتوا يقومون مقام الدولة الغائبة.
—
المشهد من الميدان
في قرى الدلتا والصعيد، تزدحم صفحات “فيسبوك” بصور المرشحين وهم يقفون أمام طرق مرصوفة حديثًا، أو بجوار شاحنة قمامة جديدة كتبوا عليها: «هدية من المرشح لأهل دائرته».
وعند البحث في “جوجل”، تظهر أخبار متكررة تحمل عناوين من قبيل:
«مرشح يتبرع لإصلاح وحدة صحية»، «آخر يموّل تجهيز فصول مدرسة».
المواطن البسيط يتفاعل مع هذه المنشورات بإعجاب وفخر، ويعلّق أحدهم قائلاً:
> «المهم إنه بيعمل، مش زي اللي قبله».
بينما تقول مواطنة أخرى:
> «اللي يتعب علشان الناس يستحق الفوز».
لكنّ هذا الحماس الشعبي يخفي وراءه مشكلة أعمق: اختلاط مفهوم العمل النيابي بالعمل الخيري، حتى أصبحت السياسة في بعض المناطق نشاطًا خيريًا أكثر منها مشروعًا وطنيًا.
—
التحليل الاجتماعي والسياسي
يرى مختصون في علم الاجتماع أن هذه الظاهرة تعبّر عن ضعف الثقة في المؤسسات الحكومية، واعتقاد الناس بأن الحلول تأتي من الأفراد لا من الدولة.
فيصبح التبرع وسيلة لكسب الولاء، لا للمساهمة في التنمية الحقيقية.
ويشير أحد الباحثين إلى أن:
> «هذه الممارسات تكرّس ثقافة الاعتماد على الأشخاص بدل المؤسسات، وتجعل المواطن يربط الخدمات بكرم المرشح لا بحقوقه كمواطن».
—
الفقرة التوثيقية
من خلال متابعة منشورات “فيسبوك” خلال الأسابيع الأخيرة من الحملات الانتخابية، ووفق نتائج بحث على “جوجل”، تبيّن أن أكثر من 70% من المحتوى المتداول حول المرشحين يركّز على تبرعاتهم وأعمالهم الخدمية، مقابل أقل من 20% فقط يتناول برامجهم التشريعية أو مواقفهم السياسية.
وهذه النسبة، وإن كانت تقديرية، تعكس بوضوح تحوّل الخطاب الانتخابي إلى أداء استعراضي أكثر من كونه سياسيًا.
—
النتائج
1. تغييب الدولة:
حين يقوم المرشح بدور الحكومة، تختفي هيبتها من الوعي العام.
2. تشويه مفهوم النيابة:
يتحول النائب إلى “فاعل خير موسمي”، لا مشرّعٍ ورقيب.
3. شراء الثقة بالمال:
بدلاً من كسب الأصوات بالفكر والرؤية، تُشترى بالمساعدات المؤقتة.
—
الخاتمة
تبرعات المرشحين ليست عيبًا في ذاتها، لكنها تصبح أداةً لإضعاف الوعي السياسي حين تُستخدم كوسيلة لاسترضاء الناخبين أو لملء فراغ الدولة.
فالسياسة ليست سبيلاً للمنح والهبات، بل مسؤولية لبناء مؤسسات قادرة على خدمة الناس دون انتظار موسم انتخابي أو “عريس جديد للفرح السياسي”.

