لا تُقاس مكانة الدول فقط بما تملكه من أدوات القوة، بل بما تحمله قياداتها من ثقلٍ سياسي ورؤيةٍ استراتيجية قادرة على إعادة ضبط الإيقاع الدولي. ومن هنا، جاءت مشاركة فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي في العاصمة القبرصية نيقوسيا ، لتؤكد مجددًا أن مصر لا تحضر المشهد بصفة المتابع، بل بصفتها فاعلًا رئيسيًا يسهم في صياغة التوازنات.
لقد عكس اللقاء الذي جمع قادة الدول العربية والأوروبية مع مؤولي الاتحاد الأوروبي تقديراً واضحًا للدور المصري، ليس فقط من خلال الحضور الرسمي، بل من خلال طبيعة التفاعل والترحيب الذي حظي به الرئيس المصري. فمثل هذه اللقاءات، التي تُعقد في أوقات التوتر، لا تُدار بالبروتوكول وحده، بل تُدار بميزان الثقة، وهو ما بدا جليًا في الحفاوة السياسية التي استقبل بها القادة الأوروبيون والعرب الرئيس السيسي، إدراكًا لوزن مصر كركيزة استقرار في محيط المنطقة .
وقد استهل فخامة الرئيس كلمته بإطار بروتوكولي محسوب، لكنه لم يكن شكليًا؛ إذ أسّس منذ البداية لشرعية الشراكة عبر تأكيد “وحدة المصير بين ضفتي المتوسط”. هذا التعبير ليس لغويًا بقدر ما هو تموضع استراتيجي، ينقل العلاقة مع الاتحاد الأوروبي من مستوى التعاون إلى مستوى الاعتماد المتبادل والترابط (Interdependence)، بما يفرض التزامات مشتركة، ويمنح مصر موقع “الشريك الضروري” لا “الشريك التابع”.
ومن هنا تميّز الخطاب بتوصيف الأزمة الإيرانية وقدرته على نقلها من إطارها الجغرافي إلى بعدها النسقي العالمي. فعندما ربط الرئيس بين التصعيد وتأثيراته على الطاقة والغذاء وسلاسل الإمداد، فإنه يعيد صياغة الأزمة كتهديد للنظام الدولي (Systemic Threat)، لا كصراع إقليمي محدود. هذا التوصيف يهدف ضمنيًا إلى تدويل المسؤولية، ودفع القوى الأوروبية إلى الانخراط الفعّال، لا الاكتفاء بالمراقبة.
أما الإشارة إلى “التهديد المحتمل بالتلوث النووي”، فهي ليست تحذيرًا بيئيًا فحسب، بل توظيف ذكي لأداة الردع الخطابي (Discursive Deterrence)، عبر استحضار سيناريو كارثي يرفع كلفة التصعيد على جميع الأطراف.
وكما نرى فان الخطاب اعتمد على معادلة دقيقة: إدانة صريحة للهجمات الإيرانية، مقابل تأكيد مستمر على ضرورة احتواء الصراع. هذه الازدواجية ليست تناقضًا، بل تعبير عن استراتيجية “الردع المرن” (Flexible Deterrence)، التي تسعى إلى تثبيت الخطوط الحمراء دون الانزلاق إلى التصعيد الشامل ، ويُلاحظ هنا أن مصر لم تقدّم نفسها كطرف في الصراع، بل كوسيط استقرار (Stability Broker)، وهو تموضع يمنحها هامش حركة أوسع، ويعزز من قدرتها على التأثير في مسارات التسوية.
ومن أبرز ما حمله الخطاب، إعادة ترتيب أولويات الأجندة الإقليمية، عبر التأكيد على أن القضية الفلسطينية هي “جوهر الأزمات”. هذا الطرح يمثل تصحيحًا استراتيجيًا لمسار إقليمي شهد محاولات لتهميش القضية لصالح أولويات أخرى.
لكن الأهم ليس التوصيف، بل ما تضمنه من آليات:
* رفض التهجير كخط أحمر سيادي وإنساني.
* طرح إدارة فلسطينية لقطاع غزة مدعومة بإطار دولي، بما يعكس تصورًا عمليًا لمرحلة ما بعد الصراع.
* التأكيد على حل الدولتين وفق حدود 1967، كمرجعية قانونية لا سياسية فقط.
هذه العناصر تكشف أن الخطاب لم يكن إنشائيًا، بل يحمل ملامح “خريطة طريق” قابلة للتدويل.
وامتد الخطاب ليشمل لبنان والسودان، في سياق واحد يقوم على دعم مؤسسات الدولة ورفض الكيانات الموازية. هذا الاتساق يعكس ما يمكن تسميته “عقيدة الاستقرار المصري”، التي ترى أن الخطر الحقيقي في المنطقة ليس فقط في الصراعات، بل في انهيار الدولة ذاتها.
وهنا، تتبنى مصر مقاربة مضادة لنماذج التفكيك، عبر دعم الجيوش الوطنية، والمؤسسات الرسمية، والحلول السياسية التي تحافظ على وحدة الكيان.
وعلى مستوى الشق الأوروبي، انتقل الخطاب من السياسة إلى الاقتصاد، ومن المبادئ إلى المصالح. فقد طرح الرئيس مصر كـ“عمق صناعي” محتمل لأوروبا، وهو توصيف يحمل بعدًا استراتيجيًا يتجاوز التعاون التقليدي، ليضع مصر داخل سلاسل القيمة العالمية (Global Value Chains).
كما قدّم ملف الهجرة بوصفه ورقة توازن، حيث أبرز دور مصر في كبح الهجرة غير الشرعية، مقابل الحاجة إلى دعم أوروبي تنموي. هذه المقاربة تعكس إدارة ذكية لملف تفاوضي شديد الحساسية، قائم على تبادل المنافع لا الضغوط.
في مجمله جاء الخطاب كأداة تموضع دولي
، حيث يمكن اعتبار كلمة الرئيس نموذجًا لـ“الخطاب الاستراتيجي المركب”، الذي يجمع بين:
* توصيف دقيق للأزمات
* تحديد واضح للثوابت
* طرح عملي للحلول
* توظيف محسوب للأدوات الدبلوماسية
أما من حيث الاستقبال، فإن الترحيب الذي حظي به الرئيس من القادة الأوروبيين والعرب، لا يمكن فصله عن هذا النمط من الخطاب؛ إذ تعكس الحفاوة في مثل هذه السياقات إدراكًا ضمنيًا بأن مصر تمثل فاعلًا قادرًا على إنتاج الاستقرار، لا مجرد متلقٍ لتداعياته.
إن كلمة الرئيس في نيقوسيا لم تكن خطابًا تقليديًا بقدر ما كانت إعلانًا عن تموضع استراتيجي جديد/متجدد لمصر: دولة تمارس دور “العقل المنظم” في بيئة غير مستقرة ، وتوازن بين الردع والتسوية، وتتحرك وفق رؤية شاملة تربط الإقليم بالعالم ، وهنا تحديدًا، تتجلى “القيمة” في وضوح الرؤية، و“القامة” في القدرة على التأثير … وبينهما، تُصاغ السياسة .. شكراً فخامة الرئيس .

