في هدوء المكتبة، كان الدكتور جالسًا يقلب صفحات كتاب قديم، وحولَه رائحة الورق العتيق تعبق بالمكان. فجأة سُمع طرقٌ خفيف على الباب.
الدكتور: تفضل.
دخل عثمان بخطوات مترددة، ثم وقف باحترام.
عثمان: السلام عليكم يا دكتور… هل يمكن أن تخبرني عن رمضان؟ وما هو أفضل الأعمال التي يمكنني أن أقوم بها في الشهر الكريم؟
أغلق الدكتور كتابه بلطف، وابتسم ابتسامة هادئة.
الدكتور: وعليكم السلام يا عثمان. سؤال جميل… رمضان ليس مجرد صيام عن الطعام والشراب، بل هو مدرسة للنفس. هو شهر أُنزل فيه القرآن، شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار.
جلس عثمان على الكرسي المقابل، منصتًا باهتمام.
عثمان: وكيف أستفيد منه حقًا؟
الدكتور: أفضل الأعمال في رمضان كثيرة يا بني، لكن أهمها:
الصيام بإخلاص، مع حفظ اللسان والقلب.
قراءة القرآن يوميًا، ولو صفحة بتدبر.
قيام الليل، ولو بركعتين بخشوع.
الصدقة، فالأجر يتضاعف.
صلة الرحم، وإصلاح ما فسد من العلاقات.
كثرة الدعاء، خاصة عند الإفطار.
سكت قليلًا ثم أضاف بنبرة أعمق:
الدكتور: لكن الأهم من كل ذلك… أن يخرج الإنسان من رمضان وقد تغير قلبه للأفضل.
ظهر التأثر على وجه عثمان.
عثمان: وهل تعتقد أن الله يغفر لي ما مضى؟
نظر إليه الدكتور نظرة مليئة بالطمأنينة.
الدكتور: باب التوبة مفتوح ما دمت حيًا. ورمضان فرصة لا تعوض.
وفي تلك اللحظة… كانت حور تقف خلف باب المكتبة، تستمع بصمت، وعيناها تلمعان بشيء من التأمل… وكأن حديث الدكتور لم يكن موجهًا لعثمان وحده.
كان الصمت يملأ المكان بعد كلمات الدكتور… وفجأة انفتح الباب قليلًا، ودخلت حور بخطوات هادئة.
حور: السلام عليكم… أعتذر إن كنتُ قد قطعت حديثكما.
ابتسم الدكتور برفق.
الدكتور: وعليكم السلام يا حور، تفضلي. كنا نتحدث عن رمضان.
نظرت حور إلى عثمان نظرة سريعة، ثم جلست بجانبه.
حور: سمعت جزءًا من الحديث… ولفتني كلامك يا دكتور عن التغيير. هل يمكن حقًا لشهر واحد أن يغيّر إنسانًا بالكامل؟
تنهد الدكتور قليلًا، ثم قال:
الدكتور: ليس الشهر هو من يغيّر الإنسان… بل القرار الذي يتخذه داخله. رمضان يمنحنا الفرصة، لكنه لا يجبرنا على استغلالها.
خفضت حور عينيها، وكأنها تفكر في شيء يؤلمها.
عثمان: (بلطف) هل هناك شيء يشغلك يا حور؟
ترددت لحظة، ثم قالت بصوت خافت:
حور: منذ سنوات فقدتُ شخصًا عزيزًا في رمضان… ومنذ ذلك الوقت أشعر أن هذا الشهر يحمل لي حزنًا أكثر من الفرح. أريد أن أستقبله بقلب مطمئن… لكني لا أعرف كيف.
ساد الصمت… ثم قال الدكتور بنبرة دافئة:
الدكتور: أحيانًا يا حور، يكون الألم هو باب القرب من الله. جربي أن تجعلي رمضان هذا العام صدقة جارية لذلك الشخص… دعاءً، عملًا صالحًا، مساعدة محتاج. عندما نحول الحزن إلى عمل صالح، يصبح نورًا.
لمعت الدموع في عينيها، لكنها ابتسمت لأول مرة.
حور: ربما… ربما يكون هذا هو التغيير الذي أحتاجه.
نظر عثمان إليها بإعجاب واحترام.
عثمان: إذًا… لنبدأ معًا. نضع خطة لرمضان هذا العام.
ابتسم الدكتور وهو يفتح دفترًا أمامه.
الدكتور: فكرة جميلة… فلنكتب أهدافنا من الآن.
وتحوّل الحديث من سؤال عابر… إلى بداية عهد جديد بينهم.

