هناك جرائم لا تثير الخوف فقط… بل تجعلنا نعيد النظر في معنى الأمان نفسه.
فالأمان ليس دائمًا بابًا مغلقًا، ولا كاميرا مراقبة، ولا شارعًا هادئًا. أحيانًا يكون الأمان في وجه شخص اعتدنا رؤيته، في اسم نسمعه داخل البيت، في شخص دخل دائرة الثقة حتى أصبح وجوده عاديًا لا يثير أي شك.
ولهذا تبدو بعض الجرائم أكثر قسوة من غيرها؛ ليس فقط بسبب ما حدث للضحايا، وإنما بسبب المسافة القصيرة جدًا بين الثقة والخطر.
الجريمة التي شهدتها منطقة النرجس، والتي بدأت الأجهزة الأمنية في فحص ملابساتها، تطرح سؤالًا أكبر من تفاصيل الواقعة نفسها:
هل أصبحنا نعرف فعلًا الأشخاص الذين نسمح لهم بالاقتراب من حياتنا؟
في التفاصيل الأولية المتداولة عن الواقعة، عُثر على سيارة بداخلها جثمانا سيدة ونجليتها، بينما يعمل خبراء الأدلة الجنائية على فحص السيارة ومسرح الواقعة وجمع الآثار المادية التي يمكن أن تساعد في كشف ما حدث، وسط تحريات أشارت إلى شخص مقرّب من الأسرة. ومن المهم هنا التأكيد أن التحقيقات وحدها هي التي تحدد المسؤولية الجنائية النهائية.
لكن بعيدًا عن أسماء المتهمين وتفاصيل التحقيق، هناك جانب إنساني مؤلم لا ينبغي أن يضيع وسط العناوين.
الضحايا لم يكن لديهن سبب ليعشن في حالة خوف دائم.
وهذه هي المفارقة القاسية في كثير من الجرائم: نحن نعلّم أبناءنا أن يحذروا من “الغريب”، بينما قد يأتي الخطر أحيانًا من شخص لا يبدو غريبًا على الإطلاق.
شخص تعرفه الأسرة.
شخص يدخل البيت.
شخص تجلس معه دون أن تفكر للحظة أنه يمكن أن يؤذيك.
وهنا لا يجب أن نتحول إلى مجتمع يعيش في الشك، ولا أن نزرع الخوف من كل إنسان يقترب منا. لكننا في الوقت نفسه بحاجة إلى أن نفهم أن الثقة ليست شيكًا على بياض.
أن تعرف شخصًا منذ سنوات لا يعني أنك تعرف كل جوانب شخصيته.
وأن يكون صديقًا للأب لا يعني تلقائيًا أنه شخص آمن لكل أفراد الأسرة.
وأن نكون لطفاء مع الآخرين لا يعني أن نتخلى عن حدودنا.
الأكثر إيلامًا في مثل هذه الجرائم أن الضحية قد لا تحصل أصلًا على فرصة لتقول: “أنا كنت خائفة”.
لأنها ببساطة لم تكن تعرف أنها تحتاج إلى الخوف.
وهنا يأتي دور الأسرة والمجتمع، ليس في نشر الهلع، وإنما في بناء ثقافة مختلفة: ثقافة الحدود، والوعي، والانتباه إلى السلوكيات المقلقة، وتعليم الأبناء أن من حقهم أن يقولوا “لا”، وأن من حقهم الانسحاب من أي موقف يجعلهم غير مرتاحين، حتى لو كان الشخص أمامهم قريبًا أو صديقًا للعائلة.
كما أن علينا أن نتوقف عن التعامل مع الجرائم باعتبارها مجرد حكايات مثيرة نقرأها ثم ننتقل إلى الخبر التالي.
خلف كل جريمة هناك أم فقدت ابنتها، وابنة فقدت أمها، وأسرة تغيرت حياتها إلى الأبد.
وخلف كل جريمة أيضًا سؤال يجب أن يبقى حاضرًا:
ماذا كان يمكن أن نفعله لو اكتشفنا الخطر قبل فوات الأوان؟
ربما لا نستطيع منع كل جريمة.
وربما لا نستطيع أن نعرف ما يدور داخل عقول الآخرين.
لكن يمكننا أن نربي أبناءنا على الوعي بدل السذاجة، وعلى الحدود بدل الخوف، وعلى طلب المساعدة بدل الصمت.
وفي النهاية…
أخطر ما في بعض الجرائم ليس أن القاتل كان قريبًا من الضحية، وإنما أن الضحية كانت تشعر بالأمان بالقرب منه.
وهذه الجريمة، بعيدًا عن تفاصيلها التي ستكشفها التحقيقات، تستحق أن نتوقف أمامها طويلًا…
لا لنبحث عن الإثارة،
ولكن لنسأل أنفسنا:
**كم شخصًا يدخل دوائر أماننا دون أن نعرفه حقًا؟**

