بقلم الكاتب الصحفي
د. عاشور غرياني
في وقتٍ يظن فيه البعض أن مواقع التواصل الاجتماعي حكرٌ على الشباب والمراهقين، تظهر مفاجأة هادئة… لكنها مؤثرة.
عشرات الآلاف من كبار السن – رجالًا ونساء – دخلوا إلى فيسبوك ليس بحثًا عن أخبار، ولا صور أولادهم، بل ليحكوا قصصهم، وليملؤوا فراغًا لم يداويه الزمن، أو ليردوا التحية لحياة كانت يومًا صاخبة.
إنهم “الجيل الصامت”… الذين صمتوا طويلًا عن الكلام، لكنهم وجدوا في “السوشيال ميديا” نافذتهم الأخيرة.
عودة الصوت بعد الصمت
“بعد ما جوزي مات، بقيت الوِحدة بتاكلني كل يوم. أولادي مسافرين، وبيكلموني كل أسبوع بالكاد… قررت أفتح فيسبوك، كتبت أول بوست، جالي عليه 600 تعليق من ناس معرفهاش… بس حسيت إني مش لوحدي”.
بهذه الكلمات البسيطة، تحكي “الحاجة فوزية” (74 عامًا) كيف غيّرت التكنولوجيا مفهوم الشيخوخة بالنسبة لها.
لم تعد هذه حالة استثنائية، بل أصبحت ظاهرة اجتماعية جديدة، هادئة، لكنها لافتة للانتباه.
عندما يصبح “فيسبوك” وسيلة علاج نفسي
يقول الدكتور أيمن شوقي، أستاذ علم النفس الاجتماعي بجامعة عين شمس:
“كبار السن بحاجة إلى التعبير عن الذات، وقد حُرموا من ذلك بسبب تغير شكل الأسرة، وسرعة الحياة الحديثة، وانشغال الأبناء.
فيسبوك هنا أصبح متنفسًا، بل وأداة دعم نفسي، بعيدًا عن الصورة النمطية أنه وسيلة ترفيه فقط”.
ويضيف: “نجد أن بعض كبار السن ينشرون مذكراتهم، صورهم القديمة، أو حتى تجاربهم اليومية مع المرض أو الوحدة… وهذا في حد ذاته تفريغ صحي جدًا.”
جيل يكتب، وجيل يندهش
الغريب أن كثيرًا من الشباب يكتشفون فجأة أن والدهم أو جدتهم لديهم حساب نشط، وأحيانًا جمهور يتابعهم ويتفاعل معهم، ويطلب نصائحهم في الحياة أو الزواج أو حتى تربية الأبناء.
أحد النماذج، الحاج سامي عبداللطيف (66 عامًا)، يكتب يوميًا منشورًا بعنوان “من دفتر الحياة”، يحكي فيه مواقف من شبابه، ويختمها بحكمة.
وصل عدد متابعيه إلى أكثر من 40 ألفًا، بينهم شباب في العشرينات يكتبون له تعليقات مثل: “أنا مش بلحق بابا، بس بقرأ لحضرتك كل يوم”.
تحديات وتجارب قاسية
ورغم الوجه الإنساني للظاهرة، إلا أن دخول كبار السن إلى الفضاء الرقمي لم يكن سهلًا. فهناك من وقعوا ضحايا لحسابات مزيفة أو محتوى غير لائق، وهناك من انسحبوا بسبب التنمر أو الإهمال الرقمي من الأقارب.
لكن الأغلبية تعلّمت، وواصلت، بل وكونت صداقات جديدة، بعضها عبر الحدود.
هل نحن أمام جيل رقمي ثالث؟
في السنوات السابقة، كان الحديث عن “الجيل الرقمي” مقتصرًا على الشباب، لكن اليوم، يمكن القول إننا أمام جيل رقمي ثالث:
جيل يعيد صياغة العلاقة بين العمر والهوية، بين الذاكرة والتقنية، بين الماضي والمستقبل.
خاتمة… من منشور إلى منبر
ما بدأ كفضول، تحوّل لدى البعض إلى منبر حقيقي. وجد فيه كبار السن مساحة لا يطلبون فيها شيئًا سوى أن يُستمع إليهم.
هم لا يريدون إعجابات ولا شهرة، فقط يريدون أن يُقال لهم: “لقد قرأناك… لقد فهمناك… أنت لست وحدك”.

