هاله المغاورى
في تطور مثير للجدل، كشف وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، عن موقف بلاده الحاسم بشأن مستقبل مرتفعات الجولان، معتبرًا بقاء إسرائيل في هذه المنطقة المحتلة “شرطًا أساسيًا” لأي اتفاق تطبيع محتمل مع سوريا. تصريحات ساعر، التي جاءت في مقابلة مع قناة “i24NEWS” العبرية، تزامنت مع تسريبات إعلامية عن اتفاق وشيك بين دمشق وتل أبيب، قد يُعلن عنه قبل نهاية عام 2025، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذا الاتفاق، وحدوده القانونية، وشرعيته السياسية.
تشكل مرتفعات الجولان واحدة من أكثر القضايا حساسية في الصراع العربي–الإسرائيلي. فالمنطقة، التي احتلتها إسرائيل خلال حرب 1967 وضمتها رسميًا عام 1981، ما تزال بموجب القانون الدولي أرضًا سورية محتلة، وترفض الأمم المتحدة الاعتراف بضمها، وفق القرار 497 الصادر عن مجلس الأمن.
ورغم ذلك، تصر الحكومة الإسرائيلية اليوم على اعتبار “السيادة على الجولان” شرطًا مسبقًا للتطبيع مع دمشق، في تحدٍ صارخ للشرعية الدولية، ومحاولة لشرعنة الاحتلال من بوابة الدبلوماسية.
وبحسب ما نشرته قناة “i24NEWS”، فإن الاتفاق الجاري التفاوض عليه – بوساطة أميركية وتشجيع من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو – يتضمن انسحابًا تدريجيًا من بعض المناطق السورية التي دخلتها إسرائيل في أواخر 2024، ومنها قمة جبل الشيخ، مقابل تحويل الجولان إلى ما يُسمى “حديقة للسلام”، دون حسم واضح لمسألة السيادة النهائية.
هذا الطرح يثير الريبة؛ إذ يبدو أنه يراهن على تسويات شكلية تلتف على جوهر القضية. فتحويل أرض محتلة إلى منطقة رمزية أو سياحية لا يلغي الحقوق السيادية ولا يرضي الشعوب المتضررة. بل هو محاولة لتجميل الاحتلال بدل إنهائه.
اللافت أن هذا الحراك السياسي جاء بعد الحرب الإسرائيلية – الإيرانية الأخيرة، والتي يقال إنها قرّبت بين دمشق وتل أبيب، خاصة بعد ما وُصف بأنه “تعاون غير مباشر” في المجال الجوي والعملياتي. لكن التغيير في التوجه لا يعني بالضرورة تحولًا استراتيجيًا عميقًا، فقد يكون مجرد مناورة ظرفية لالتقاط الأنفاس، أو نتيجة ضغوط خارجية غير معلنة.
وفي ظل غياب تأكيد رسمي من دمشق، وتناقض في بعض التفاصيل – مثل ذكر اسم “الرئيس أحمد الشرع” بدلًا من بشار الأسد – تبدو التسريبات فاقدة للمصداقية الكاملة، وقد تكون أداة لتهيئة الرأي العام لقبول سيناريو مستقبلي.
سوريا، التي خرجت من حرب أهلية مدمرة وتعيش أوضاعًا اقتصادية وسياسية معقدة، لا تبدو اليوم في موقع تفاوضي متكافئ. وهو ما يطرح تساؤلات حقيقية حول مدى استقلالية القرار السياسي، وإمكانية توقيع اتفاق طويل الأمد في ظل غياب الإرادة الشعبية، ورفض فئات واسعة من السوريين لأي تنازل عن السيادة على الجولان.
إن أي اتفاق لا يقوم على أسس العدالة والندية والاحترام المتبادل، سيبقى هشًا ومعرضًا للانهيار مع أول اختبار.
تسويق اتفاق تطبيع مشروط بالاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان ليس سوى محاولة لتطويع الواقع بالقوة والضغوط، وليس خطوة نحو السلام العادل.
إن التطبيع الحقيقي لا يكون بإملاءات من طرف واحد، بل عبر حل شامل يضمن الحقوق المشروعة، وفي مقدمتها الانسحاب الكامل من الأراضي المحتلة، وعودة السيادة لأصحابها، واحترام القوانين الدولية.وإلا، فكل ما يُبنى على هذا الأساس سيظل سلامًا بلا جذور… واتفاقًا بلا ضمير.

