كتبت /شيرين كمال
يُقال إن الزمن كفيل بالنسيان، وإن الألم يبهت مع مرور الأيام، لكن الحقيقة التي يعرفها كل من مرَّ بتجربة قاسية، أن التخطي ليس سوى قناع هش، يضعه الإنسان ليقنع نفسه والعالم من حوله بأنه بخير. في أعماق القلب، هناك تفاصيل لا تُنسى، ومواقف تُعاد مرارًا وتكرارًا في الذاكرة، كأنها ترفض أن تُمحى، لأن شيئًا ما سُرق في لحظة ما… شيء لا يُعوّض: الطمأنينة.
أن تفقد الشعور بالأمان النفسي، أن تُكسر ثقتك في من كنت تراهم ملاذك، أو أن يخذلك من كان وعدك بالبقاء، هو وجع لا يشبه أي وجع آخر. الطمأنينة حين تُنتزع، لا تترك فراغًا فقط، بل تُخلّف رجفة دائمة في القلب، تجعل كل لحظة لاحقة موضع شك، وكل شعور جميل مؤقتًا، ومهددًا بالانهيار.
لا أحد ينسى الطعنة الأولى
يمكن للإنسان أن يتظاهر بالقوة، أن يضحك وسط الجموع، أن ينجز في عمله، ويسهر مع أصدقائه، ويعيش حياته كما لو أن شيئًا لم يكن. لكنه في لحظة هدوء، أو قبل النوم بدقائق، يمرُّ شريط الذاكرة كالسهم، ويعود الوجع بنفس التفاصيل، بنفس الحدة، كأن القلب يحتفظ بالطعنة الأولى ويعيد تذكيرك بها كلما حاولت الادعاء بالنسيان.
التخطي؟ قد يكون تأقلمًا مؤقتًا، أو هروبًا محسوبًا، لكنه ليس شفاءً. لأن الشفاء الحقيقي يتطلب مواجهة، وصدقًا، وجرأة للاعتراف بأن هناك ألمًا لم يُعالَج، وكسورًا لم تُجبر، وأن هناك جزءًا منك ما زال يعيش في تلك اللحظة التي انكسر فيها كل شيء.
الطمأنينة لا تعود بسهولة
أصعب ما يُفقد لا يُسترجع بسهولة. الطمأنينة التي تُسرق من القلب تحتاج وقتًا طويلًا لتُبنى من جديد، وغالبًا لا تعود بنفس النقاء. حتى لو عادت، تكون مشروطة، متوجسة، تشك في كل شيء، كأن القلب أصبح أكثر حذرًا من أن يُلدغ مرة أخرى. فالجرح الأول يعلمنا أن الحب لا يكفي، وأن الثقة تحتاج حصونًا، وأن الطمأنينة قد تكون أكثر هشاشة مما نظن.
في الختام:
التخطي ليس نسيانًا، والتظاهر بالتجاوز لا يعني الشفاء. هناك أوجاع تُرافقنا بصمت، وذكريات لا تموت مهما طال الزمن. الطمأنينة حين تُسرق، تُغيّر الإنسان من الداخل، تزرع فيه حذرًا لا يزول، ودرسًا قاسيًا عن حقيقة البشر والعلاقات. لذلك، لا تُجبر نفسك على النسيان، بل اسمح لنفسك بالشعور، بالبكاء، بالضعف، حتى يأتي يوم لا تُنسى فيه الذكرى، لكن اتفقد قدرتها على إهلاكك

