بين ملايين الوجوه التي تعبر الطرقات كل صباح، قد يتساءل الإنسان في لحظة تأمل صادقة: ما معنى وجودي؟ ولماذا جئت إلى هذا العالم؟ وهل أنا مجرد رقم عابر في سجل البشرية، أم أن لوجودي رسالة لا يكتمل المشهد إلا بها؟
والحقيقة أن الإنسان لم يُخلق عبثًا، ولم يوجد صدفة، بل إن لكل روح قصة، ولكل إنسان دورًا، ولكل وجود رسالة تتجاوز حدود العمر والمكان والزمان. فكم من شخص ظن أن أثره محدود، فإذا بكلمة منه تغيّر مصير إنسان، أو موقف منه يرسم طريق أمة، أو فكرة يزرعها تتحول بعد سنوات إلى مشروع حياة ينهض بمجتمع بأكمله.
إن الوجود الإنساني ليس مجرد حضور جسدي على هذه الأرض، بل هو مسؤولية ورسالة وأمانة. وما بين الميلاد والرحيل مساحة واسعة تُكتب فيها الحكايات، وتُصنع فيها الآثار، وتُبنى فيها الجسور بين الإنسان ونفسه، وبين الإنسان والآخرين، وبين الإنسان والقيم التي يؤمن بها.
ولهذا فإن أعظم خسارة قد يتعرض لها الإنسان ليست الفقر ولا المرض ولا تعثر الظروف، وإنما أن يعيش عمره كله دون أن يكتشف لماذا هو هنا. فالأمم العظيمة لم يبنها أشخاص خارقون، بل بناها أناس عاديون أدركوا رسالتهم، وآمنوا بأن وجودهم ليس هامشيًا، وأن لديهم ما يقدمونه للعالم.
كم من معلم غيّر مستقبل أجيال كاملة دون أن يدرك حجم أثره، وكم من أم صنعت رجالًا ونساءً حملوا مشاعل النهضة، وكم من مفكر أو مصلح أو مبدع بدأ بخطوة صغيرة تحولت مع الأيام إلى منعطف تاريخي في حياة الآخرين. هكذا تتحرك عجلة الحضارة؛ بأشخاص عرفوا أنهم هنا لغاية أكبر من ذواتهم.
وحين يقول الإنسان: “أنا هنا”، فليس المقصود مجرد إعلان الحضور، بل إعلان المسؤولية. أنا هنا لأضيف قيمة، لأزرع أملاً، لأصنع فرقًا، لأمنح الحياة شيئًا أجمل مما وجدته. أنا هنا لأكون جزءًا من البناء لا الهدم، ومن الحل لا المشكلة، ومن النور لا العتمة.
إن كلمة “أنا” التي يسيء البعض فهمها ليست دائمًا عنوانًا للغرور، بل قد تكون عنوانًا للوعي بالرسالة. فحين يدرك الإنسان مكانه في هذا الكون، ويعرف قدراته، ويستثمر مواهبه فيما ينفع الناس، تصبح “أنا” بداية رحلة العطاء وليست نهاية الطريق.
وفي عالمنا هذا من المؤكد أن تزداد الحاجة إلى أفراد يؤمنون بقيمة وجودهم، ويوقنون أن التغيير الكبير يبدأ من قرار صغير، وأن مسارات كثيرة في الحياة قد تتبدل بسبب موقف شجاع، أو فكرة مخلصة، أو كلمة صادقة تخرج من قلب مؤمن برسالته.
لذلك أقولها بثقة ويقين أنا هنا
موجود لا أغيب أبدًا ما دام أثري باقيًا، وما دامت كلمتي تزرع خيرًا، وما دام عملي يترك بصمة في حياة الناس. أنا هنا لأن لكل إنسان رسالة كونية لا تتكرر، ودورًا لا يستطيع أحد أن يؤديه بالنيابة عنه. وأنا هنا لأن الحياة لا تقاس بعدد السنوات التي نعبرها، بل بحجم الأثر الذي نتركه خلفنا.
فإذا كان الجسد يومًا سيرحل، فإن الرسالة الصادقة لا ترحل، والأثر النبيل لا يموت، والإنسان الحقيقي يبقى حاضرًا في القلوب والعقول، وإن غاب عن العيون.
أنا هنا … واليوم فرصة جديدة لأصنع فرقًا، وغدًا صفحة أخرى لأترك أثرًا، وما بينهما رحلة إنسان آمن بأن وجوده لم يكن يومًا عبثًا

