كلية التربية – جامعة الفيوم
في قلب البحر المتوسط، ذلك الحوض الأزرق القديم الذي احتضن حضارات العالم، تتردد مؤخرًا أصوات غامضة قادمة من الأعماق… أصوات تشبه الأنين، أو الطنين، أو أحيانًا ما يشبه الهُدير المتقطع، وقد سجلها البعض ليلًا في سواحل عدة، من بينها مناطق في مصر ولبنان واليونان وإيطاليا.
فما حقيقة هذه الأصوات؟ وهل ترتبط بالفعل بالتغيرات المناخية الكبرى التي تضرب المتوسط؟ وهل هناك خطر محدق يلوح من الأعماق.
علم الصوت في المحيطات: أسرار تحت الماء
يعرف العلماء أن المحيطات والبحار ليست أماكن صامتة كما نتصور. بل على العكس، فبيئة البحر تُعد من أكثر البيئات نشاطًا صوتيًا على وجه الأرض.
ووفقًا لمركز الأبحاث البحرية الأمريكي NOAA، فإن الصوت ينتقل في الماء أسرع بخمس مرات من انتقاله في الهواء، مما يجعل الأصوات الصادرة من الأعماق تنتشر لمسافات شاسعة، وقد تصل إلى السواحل القريبة.
ما مصادر هذه الأصوات؟
المنطقة الشرقية من البحر المتوسط، خاصة قبالة سواحل قبرص واليونان وتركيا، تُعد من المناطق النشطة زلزاليًا. هذه الزلازل، وإن لم يشعر بها الإنسان بشكل مباشر، قد تولد موجات صوتية منخفضة التردد (Infrasound) تُسمع أحيانًا في الليالي الهادئة أو عبر أجهزة الرصد.
عمليات التنقيب عن الغاز الطبيعي والنفط تحت قاع المتوسط، خاصة قبالة السواحل المصرية والليبية، تُستخدم فيها تقنيات تعتمد على إطلاق ذبذبات صوتية قوية تُحدث “صدى” يُحلَّل لرسم خريطة باطن الأرض. هذه العمليات تُحدث ضجيجًا عاليًا يُسمى “Seismic Airgun Blasts”، وقد يسبب ارتباكًا للكائنات البحرية، بل وقد يصل تأثيره إلى اليابسة أحيانًا.
تُصدر بعض الحيتان والدلافين أصواتًا تُعرف بـ”أغاني الحيتان”، وهي ترددات منخفضة يُمكن أن تمتد لعدة كيلومترات. ومع تغيّر حرارة المياه وهجرة هذه الكائنات، ظهرت أصوات غريبة في مناطق لم تكن تُسجل فيها سابقًا.
بسبب الاحترار العالمي، ارتفعت حرارة مياه المتوسط بمعدل 0.4 درجة مئوية في العقد الأخير. هذا الارتفاع يساهم في ذوبان بعض المواد الرسوبية وانهيارات أرضية تحت سطح البحر، وكلها تؤدي إلى إصدار أصوات وانبعاثات غازية قد تُسمع على السطح
أين مصر من هذه الظاهرة؟
سواحل مصر الشمالية تقع في قلب التغيرات البيئية المرتبطة بالمتوسط. التقارير البيئية الحديثة تُحذر من:
تزايد الهجرات البحرية غير المعتادة للكائنات.
تغيّر أنماط التيارات البحرية في دلتا النيل.
احتمالية وقوع نشاط زلزالي غير تقليدي في مناطق مثل خليج السويس أو شرق المتوسط.
وبالتالي فإن أي صوت غير معتاد يُسمع في تلك المناطق لا يمكن تجاهله، بل يُعد مؤشراً بيئيًا مهمًا.
علم أم أسطورة؟
الأصوات البحرية ليست خرافة، بل حقيقة موثقة علميًا، وتخضع الآن لمزيد من التحليل باستخدام أجهزة قياس الذبذبات الصوتية تحت الماء (Hydrophones)، والتي تستخدمها مراكز مثل المعهد المتوسطي لدراسات المحيطات (IFREMER – فرنسا) ومراكز رصد الزلازل
رسالة أخيرة
ما نسمعه من البحر المتوسط اليوم ليس فقط صوت الطبيعة، بل نداء بيئي يحثّنا على الإنصات لما يحدث في الأعماق، والاستعداد لما هو قادم.
لأن التغير المناخي، وإن كان صامتًا في بدايته، فإنه يُحدث ضجيجًا كبيرًا في النهاية

