بقلم دكتورة دعاء معاطي
أَجْلِسُ كُلَّ يَوْمٍ مَعَ أَبِي الأَزْهَرِ، أُقَلِّبُ فِي صَفَحَاتِ تَارِيخِهِ وَتَارِيخِ مِصْرَ، نَتَجَاذَبُ أَطْرَافَ الحَدِيثِ. مَا نَظَرْتُ يَوْمًا إِلَى أَنَّهُ مَكَانٌ تَعَلَّمْتُ وَتَرَبَّيْتُ فِيهِ، دَائِمًا أَرَاهُ الأَبَ الحَكِيمَ الكَبِيرَ الَّذِي يَحْمِي مِصْرَ وَالعُرُوبَةَ وَدِينَ اللَّهِ مُنْذُ أَلْفِ عَامٍ وَحَتَّى الآنَ، وَلَا زَالَ شَابًّا فِي صَبَاهُ، وَسَوْفَ يُعْطِي الحَسْنَاءَ مِصْرَ عُصُورًا وَعُصُورًا بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى. عَلَّمَنِي أَبِي الأَزْهَرُ أَنْ أُقَلِّبَ فِي تَارِيخِ مِصْرَ وَتَارِيخِهِ لأَزْدَادَ عِزَّةً وَشُمُوخًا بِكَوْنِي ابْنَةً لأَبٍ وَأُمٍّ كَرِيمَيْنِ: مِصْرَ وَالأَزْهَرَ. عَلَّمَنِي أَبِي الأَزْهَرُ أَنْ أُعْطِيَ لِلنَّاسِ قَدْرَهُمْ.
وَفِي تَقْلِيبِي لِصَفَحَاتِ الأَزْهَرِ المَجِيدَةِ، وَجَدْتُ صَفْحَةً “أُحِبُّكَ يَا نَاصِرُ”. فَسَأَلْتُهُ: “كُنْتَ تُحِبُّ نَاصِرًا كُلَّ هَذَا الحَدِّ؟” فَأَجَابَ: “وَلِمَ لَا أُحِبُّهُ، وَهُوَ مَنْ أَكْمَلَ مَا فَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ مِنْ جَمْعِ القُرْآنِ فِي مُصْحَفٍ وَاحِدٍ، وَجَمَعَهُ هُوَ كَامِلاً فِي اسْطُوَانَاتٍ كَامِلَةٍ بِأَصْوَاتِ أَعْظَمِ القُرَّاءِ وَعُلَمَاءِ الأَزْهَرِ. وَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ بُثَّتْ إِذَاعَةُ القُرْآنِ الكَرِيمِ عَلَى طُولِ اليَوْمِ عِنْدَمَا عَلِمَ أَنَّ أَهْلَ أَفْرِيقْيَا فِيهِمُ الفُقَرَاءُ الَّذِينَ لَا يَمْلِكُونَ ثَمَنَ شِرَاءِ اسْطُوَانَاتِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، فَكَانَ حَرِيصًا عَلَى أَنْ تَصِلَ لَهُمْ إِذَاعَةُ القُرْآنِ الكَرِيمِ طَوَالَ اليَوْمِ فِي قَعْرِ مَنَازِلِهِمْ. أَلَا يَكْفِي ذَلِكَ لِأُحِبَّهُ؟” فَأَجَبْتُهُ: “نَعَمْ يَكْفِي”.
سَأَلْتُ الأَزْهَرَ: “هَلْ رَآهُ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ مُتَوَلِّي الشَّعْرَاوِيُّ بَعْدَ مَوْتِهِ؟” فَأَجَابَ: “نَعَمْ، رَآهُ بَعْدَ مَوْتِهِ يَحْمِلُ فِي يَدِهِ اليُمْنَى سَمَّاعَةَ الطِّبِّ، وَيَحْمِلُ فِي يَدِهِ الثَّانِيَةِ حَرْفَ T رَمْزَ الهَنْدَسَةِ، فَالزَّعِيمُ جَمَالُ عَبْدِ النَّاصِرِ هُوَ مَنْ أَدْخَلَ دِرَاسَةَ الطِّبِّ وَالهَنْدَسَةِ وَالعُلُومِ التَّطْبِيقِيَّةِ فِي الأَزْهَرِ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ الدِّرَاسَةُ فِيهِ مُقْتَصِرَةً عَلَى العُلُومِ الدِّينِيَّةِ قُرُونًا فَقَطْ. وَعِنْدَمَا رَآهُ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ مُتَوَلِّي الشَّعْرَاوِيُّ عَلِمْنَا جَمِيعًا أَنَّهُ فِي جِنَانِ الخُلْدِ، فَأَحْبَبْتُهُ أَكْثَرَ”. ثُمَّ اسْتَطْرَدَ الأَزْهَرُ قَائِلًا: “هَلْ تَعْرِفِينَ لِمَ أُحِبُّهُ أَكْثَرَ؟” فَأَجَبْتُ: “لِمَ؟” فَأَجَابَ: “لِأَنَّهُ تَرْجَمَ القُرْآنَ الكَرِيمَ إِلَى كُلِّ لُغَاتِ العَالَمِ، وَبَنَى مَدِينَةَ البُعُوثِ عَلَى ثَلَاثِينَ أَلْفَ فَدَّانٍ، يَأْتِي إِلَيْهَا المَبْعُوثُ مِنْ سَبْعِينَ دَوْلَةً مِنْ بَابِ كِبَارِ الزُّوَّارِ لِيَدْرُسُوا وَيَحْيَوْا حَيَاةً كَامِلَةً وَيَتَعَلَّمُوا”.
فَأَجَبْتُ: “يَسْتَحِقُّ أَنْ تُحِبَّهُ كُلَّ هَذَا الحُبِّ يَا أَزْهَرُ”. فَأَكْمَلَ الأَزْهَرُ: “جَمَالُ عَبْدِ النَّاصِرِ دَعَا إِلَى مَجَّانِيَّةِ التَّعْلِيمِ وَجَعَلَ التَّرْبِيَةَ الإِسْلَامِيَّةَ شَرْطَ نَجَاحٍ إِجْبَارِيٍّ فِي بَعْضِ المَوَادِّ. وَصَلَ بِنَاءُ المَسَاجِدِ فِي عَصْرِهِ ضِعْفَ مَا وَصَلَ إِلَيْهِ مُنْذُ الفَتْحِ الإِسْلَامِيِّ وَحَتَّى يَوْمِ تَوَلِّيهِ. فِي عَهْدِ عَبْدِ النَّاصِرِ وَصَلَتِ الفَتَاةُ لِلتَّعْلِيمِ الدِّينِيِّ، وَتَمَّ إِنْشَاءُ مَعَاهِدِ الفَتَيَاتِ فِي مِصْرَ”. سَأَلْتُهُ: “هَلْ هُوَ مَنْ سَمَحَ لِمِثْلِي بِالتَّعَلُّمِ بَيْنَ جُدْرَانِ الأَزْهَرِ مِثْلَ الرِّجَالِ وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ مَقْصُورًا عَلَى الرِّجَالِ فَقَطْ؟” فَأَجَبْتُ: “أَحْبَبْتُهُ مِثْلَكَ يَا أَزْهَرُ”. فِي عَهْدِهِ تَمَّ بِنَاءُ فُرُوعٍ لِجَامِعَةِ الأَزْهَرِ فِي رُبُوعِ العَالَمِ، طُبِعَتْ مَلَايِينُ النُّسَخِ مِنَ القُرْآنِ وَوُزِّعَتْ عَلَى البِلَادِ الإِسْلَامِيَّةِ، وَالمُتَرْجَمَةُ عَلَى البِلَادِ الأَجْنَبِيَّةِ.
نُحِبُّكَ جَمِيعًا، وَفِي جِنَانِ الخُلْدِ يَا نَاصِرُ، وَإِلَى لِقَاءٍ مَعَ الأَبِ الأَزْهَرِ وَلَحَظَاتٍ نُقَلِّبُ فِيهَا فِي تَارِيخِهِ وَنَتَجَاذَبُ مَعَهُ أَطْرَافَ الحَدِيثِ.

