بقلم د/ سماح عزازي
قد تنظرُ العمرَ الذي قد فاتَ صامتًا… بلا راشدْ
ولا ترى في الدربِ يومًا كانَ فيك دليلُك الواجدْ
كأنك ما خضتَ حربًا… ما حملتَ جراحَك الجامدْ
ولا نُقشَ الصبرُ في قلبِك، ولا بكى فيكَ الحامدْ
ولا كأنكَ حين قُدتَ الخطوَ، ضلّ الدربَ راشدْ
كأن كل الموجِ قد أغرقْتَه… لكن بلا شاهدْ
ولكن!
وهل تُقاسُ البطولةُ في حضورِ القومِ والشاهدْ؟
أما يكفيكَ قلبُك حينَ يشهدُ أنكَ الصامدْ؟
إذا ما جفّ فيك النبضُ… ثم أضاءَ فيك الواقدْ
إذا ما ضلّتَ نفسك ثم عادت… فهي ذا الراشدْ
إذا ما ضحكتَ والدنيا تُريقُك دمعةً كالحاقدْ
أليسَ الصبرُ في صمتٍ… أجلُّ النصرِ يا واحدْ؟
ثق يا رفيقي…
فليس السيفُ في كلّ النزيفِ هو المُجاددْ
بل المعركةُ الكبرى، تُخاضُ القلبَ لا الجاحدْ
هناك يولدُ فيك إنسانٌ جديدٌ، غيرُ ذاكَ البائدْ
يعودُ من الرمادِ الحيِّ… لا من ضعفِه الراقدْ
نجوتَ… ولم يركَ أحدٌ، سواكَ، وربُّكَ العابدْ
فذاكَ نصرٌ لا يُرى… لكنهُ فيك الخالدْ
فمن المعاناةِ تولدُ نفسُك الكبرى… وتستشهدْ
ومن الأحزانِ ينبتُ مجدُك الأزكى… ويتمدّدْ
ومن الجُرحِ القديمِ… يعودُ فيكَ النبضُ يتجدّدْ
فلا تحزنْ إذا ما خابَ صوتُ الناسِ أو جحدْ
ففي الصمتِ العظيمِ… تُولدُ الأرواحُ وتُحمدْ
ومن رحمِ الشقاءِ… تُولدُ الإنجازاتُ… وتُخلّدْ
فلا تخجلْ إذا ما مرَّ يومُك دونما موعدْ
إذا ما لم يُنادِك باسمكَ الحظُّ ولا الموعدْ
إذا ما سار غيرُك في الدروبِ وأنتَ لا تُرشدْ
فبعضُ السيرِ في الظلماتِ أصدقُ منْ على المقعدْ
وبعضُ الناسِ يُثنَى باسمه… وهو الفؤادُ الأبردْ
فدعْ عنك الظلالَ، وسِرْ إلى النورِ الذي يُوقدْ
وكنْ في وحدتكَ وطنًا، وإن ضاقَ المدى والسدْ
وكنْ في حزنكَ المعجونِ بالآمالِ، لا تُجهدْ
ولا تجعلْ حنينَ الأمسِ قيدًا في خطاكَ يُشدْ
ولا تصغِ لقولِ العاجزينَ… فإنهم لا يسعدوا
همُ الموتى، وإن مشوا… وإن ضحكوا، وإن أعددْ
فلا تحزنْ على صمتِ الطريقِ، ففيك صوتٌ ينشدُ
تذكّرْ، حين أُوصدَ بابُك المغلوقُ والمُسندْ
بأن الله لا ينسى، ولا ينسى الدعاءَ المعبدْ
وأن الليلَ، مهما طال، يُولَدُ فيه فجرٌ مفردْ
وأن الماءَ من صخرٍ تفجّرَ يومَ موسى المهتدِ
فكنْ عبدًا بربّك مستعينًا، لا تكنْ متردّدْ
وواصلْ، فالعظيمُ يسيرُ وحدهُ، ولكنْ يُخلدْ
فما المعنى إذا سرتَ الطريقَ وكلُّهم مؤيدْ؟
وما الفخرُ إذا زُفَّ النجاحُ وكلُّهم معتقدْ؟
تلكَ المعاركُ التي في القلبِ، سرُّ المجدِ والأرشدْ
فصوتُ الروحِ إن صاحَ… أقوى من هتافِ المعبدْ
ومن لا يعرفُ الأوجاعَ لا يعرفْ هدى أو مقصدْ
فكنْ أنتَ الحقيقةَ، لا صدىً يخبو ولا يُسعدْ
فإذا ما الليلُ لفَّ القلبَ بالشكوى، وبالعُقدْ
تذكَّرْ أن في جوفِ الظلامِ دعاءَك الممتدْ
وأن الدمعَ حين يُقالُ للهِ… فهو المُسندْ
وأنك حين تبكي في خفاءِ الليلِ، تستسندْ
يُجيبُك مَن بيدهِ الفرجُ، ومَن أمرُهُ يُنفدْ
فلا تيأسْ، وإن ضاقتْ، سيأتي بعدَها المرفدْ
فمن في قلبهِ نورُ اليقينِ… فلن يُعدّ معددْ
وإن ضلّتْ خطاهُ، فإنها للهِ لا تُفقدْ
هو الإيمانُ إن صلُحَتْ بذرّتُه… لا يفسدْ
وكلُّ حكايةٍ بالصبرِ تُكتبُ، تنتهي بمسجدْ
وفيك الحلمُ، إن صُنْتَهُ، حتمًا سيستشهدْ
ومن رحمِ المعاناةِ… يولدُ النصرُ المتجددْ
فلا تركنْ إلى زيفِ الحياةِ، وإن بها الموردْ
فكم من بئرِ وهمٍ زُخرفتْ… والماءُ لا يُوردْ
وكم من زهرِ شهرةٍ ذبُلَتْ، وجرحُها موحّدْ
فلا تغترَّ إن أثنوا، فمدحُ الناسِ لا يعتمدْ
ولا تحزنْ إذا ذمّوا، فذمُّ الجاهلينَ مردْ
فأنتَ النورُ إن صبرتَ، إن ضاءَ الحشا أو سدْ
ولا تعجبْ إذا نمتَ الهمومُ على فؤادٍ جَلْدْ
فكم من قلبِ مبتسمٍ، وفيه الحزنُ متعدّدْ
وكم من جفنِ مبتلٍّ، وفيه الفرحُ يتوقّدْ
تُخبّئنا المعاني، لا المظاهرُ، لا الوجوهُ الغِيدْ
فكم من ضاحكٍ يبكي، وكم من ساكتٍ يُرعدْ
وكم من ساكنٍ في الأرضِ، لكنّهُ بها سيَصعدْ
وإن خانتْك أيامُك، ولم يبقَ بها سندْ
فكنْ أنتَ السّندْ، والركنُ، والأملُ المجدّدْ
وإن عزّ الرجاءُ، فربُّك القريبُ المؤيّدْ
يرى ضعفَك، يُنيرُ خطاكَ، يُمطرُك المردّدْ
بلا وعدٍ من الناسِ، بلا ضوءٍ من المقصدْ
ولكنْ بالعطاءِ الخالصِ، بالصدقِ المتجدّدْ
تذكّرْ أن في كلّ انكسارٍ حكمةً، وسَدَدْ
وفي كلّ اشتدادٍ… لليقينِ مَجالُهُ الممتدْ
فلا تحزنْ على ما فات، أو ما ضاع، أو ما بَدْدْ
فما كتبهُ اللهُ لكَ، لن يُنتزعْ، لن يُفتقدْ
وما قدّرهُ الرحمنُ، فهو الخيرُ، لو تعتقدْ
وإن ضاقَتْ بكَ الدنيا… فبابُ اللهِ لا يُسدْ
وإن مرّتْ بكَ الذكرى كريحٍ مُرّةٍ تُحقدْ
وأوقدَ الحزنُ في أعماقِك البارودَ، واتّقدْ
فلا تخشَ انكساراتِ السنينِ… فكم بها ارتعدْ
قويُّ النفسِ، ثمّ مضى، كأنّ به الثرى يشهدْ
فما وجعُ الحياةِ سوى ابتلاءٍ فيه تُرصَدْ
فطوبى من تأدّبَ بالصّعابِ… وعلّمتهُ الجلدْ
وما الإنسانُ إن لم يُختبرْ؟ إن لم يُرى ويُعدْ؟
وإن لم يَسقِهِ الدهرُ الشقاءَ مرارَةً ويصدْ؟
فكلُّ نضوجِه صبرٌ، وكلُّ فخارِه جُهدْ
وما تَعلى الهممُ إلا على الأوجاعِ، لا رغدْ
ومن ذاقَ السكونَ بلا كفاحٍ، عاشَ لا يُحمدْ
ومن عبرَ الليالي دونَ وجعٍ، كان لا يُولدْ
ويا من ضاقَ منكَ الوقتُ، واشتدّتْ بكَ العُقَدْ
تذكّرْ أن ما بعدَ الشقاءِ، فرحةٌ تُوغدْ
وأن الدربَ، مهما طال، لا يُنسى به الرّشدْ
وأن الحلمَ، إن طالَ انتظارهُ، له موعدْ
فربُّك لا يُخيبُ من لجأَ له، ولا يُبدّدْ
ولا ينسى دموعَ الخائفينَ، ولا يُجمّدْ
فكنْ في كلِّ أحوالِ الحياةِ، كما ترى الأبدْ
تُقاومُ حين تُخذل، لا تُساوم، لا تُجمّدْ
تُضيءُ، وإن أطفأوا لهيبَك، فالفؤادُ يُوقدْ
تصبرْ، وإن سُئمتَ الطريقَ، فكلُّ صبرٍ يُحمدْ
تؤمنْ، وإن كثرَ العمى، فالحقُّ لا يتبدّدْ
وتعلمْ أن في صمتِ البطولةِ… سرُّ من يُسعدْ
وإن خاصمْتَ فيك النورَ يومًا، أو نأى المقصدْ
وخالطك الظلامُ، وعاد فيك الشكُّ يتفرّدْ
فلا تجزعْ، فكلُّ النورِ في صدرِ الذي يُرشدْ
وإن خفَتَ الشعاعُ، فذاك وقتُ الصمتِ لا المَردْ
به تنمو البصائرُ، لا المظاهرُ، لا الذي يُجحدْ
وفي سَكونِك المكسورِ، يولدُ صوتُ من يعهدْ
فدعْ عنك التأسّي بالذي باعوا، ومن حُسّدْ
ولا تَصغِ لقولِ الهازئين، فزيفُهم لا يصمدْ
وكنْ للحقِّ مرفوعَ الجبينِ، وإن همُ استبدّوا
فما خابَ الذي للهِ قامَ، وللوفاءِ تجرّدْ
ولا خذلَ الإلهُ من ارتضى الفقرَ، ولم يُفسدْ
فكنْ عبدًا، تكنْ حرًّا… وإن ضاقَتْ بكَ المشهدْ
فكم من نائمٍ في العزِّ، قلبُه لا يتوقّدْ
وكم من بائسٍ في الناسِ، كنزُ اليقينِ مُوحّدْ
فلا تغترَّ بالأضواءِ، إنْ لم يُوقدِ الموقدْ
ولا تَحسبْ كثافةَ مَن حولَك دليلًا يُستندْ
فكم من جيشِ فرعونٍ غرقْ… وناجٍ في البحرِ مُفرَدْ
تُنادى في الخفاءِ، وتنجو، ما دمتَ بالحقِّ تُقصدْ
ويا من قد وجدتَ الجُرحَ فيك اليومَ يتعدّدْ
وخانكَ المدى، والعمرُ لم يُنصفْ، ولم يُسعدْ
فصبراً، إن في كفِّ المهيمنِ كلُّ ما يُرغدْ
وما من ضيقِ يومٍ… إلّا وللرحمنِ يُحمدْ
فلا تيأسْ، وإن خرّوا عليك، فأنتَ لا تُفندْ
وإن هدمتَ، فابدأْ… فكم في الهدمِ من مولدْ
إذا ما خُنتكَ الأيّامُ، والأنفاسُ تتبدّدْ
وخانكَ الصحبُ، والركبُ ارتضى الدربَ المزيّفْ المدْ
وإن ضاقتْ عليكَ الأرضُ، والهمُّ استبدّ وشدْ
فلا تيأسْ، فكلُّ اليأسِ بابٌ، خلفَهُ المَقصدْ
وفي عمقِ البلايا تُزرعُ البشرى، وتُستجدْ
ويأتيكَ الذي ترجوهُ، من حيثُ المدى مُرتدْ
فمن خَبِرَ الخطوبَ، وصانَ عهدَ النورِ، لا يرتدْ
ومن حفظَ الطريقَ، ولو تعثّر، حتمًا يهتدْ
فلا تبكِ انكسارَ السيرِ، فالفجرُ الذي يُرصَدْ
يجيءُ لمن تثبّتَ في الظلامِ، ولم يزلْ يُوقِدْ
يجيءُ لمن بنى في العُسرِ معنى الحلمِ، لا يهتدْ
إلى وهمٍ، ولكنْ للصعودِ، وإن بدا مُبعدْ
تعلّمْ أن هذا الكونَ أوسعُ من يديْ من جحدْ
وأن الرزقَ لا يأتيك من ضعفِ العطاءِ المُردْ
ولكنْ من يقينِك إن صدقتَ، ومن دعاءٍ سَدْ
يُرفَعُ للسماءِ، ويُستجابُ، وإن بدا مُرتدْ
فكم من دعوةٍ في الليلِ كانتْ للرجا مولدْ
وكم من لحظةٍ في الصمتِ كانَ بها المدى ممتدْ
ولا تيأسْ إذا ما خابَ ظنُّ الناسِ أو حسدْ
ولا تحزنْ إذا أغلقْتَ بابَك، واستراحَ المقصدْ
فكم من خلوةٍ للروحِ كانتْ للعلا مَسندْ
وكم من سجدةٍ في جوفِ ليلٍ رفعتْ، وأسعدتْ وجدْ
ففي الخلواتِ تُكتَبُ كلُّ أسراركْ، وتُخلدْ
ومن رحمِ التبتّلِ، يُولدُ الإنسانُ منجددْ
فإذا ما مرَّ عمركَ، والرجا فيك لم يُجمَدْ
وإن مضيتَ وحدكَ، دون أن يصفّقَ الأحمدْ
وإن غابَ الثناءُ، وما بدا في الأرضِ ما يُسندْ
فلا تأسَ… فإن اللهَ يكفيكَ الذي يُعبدْ
هو العدلُ الذي لا ينسَ من في الصمتِ قد سجدْ
هو الرحمنُ، إن صبرتَ، يرفعُ قدركَ الممتدْ
فكنْ أنتَ البقيةَ من نبيٍّ لم يُطلْ مقعدْ
وكنْ أنتَ الإجابةَ حين يُسأل: “من لهُ يُعهد؟”
وكنْ للناسِ نورًا، لا يُرى… لكنّهُ لا يخمدْ
وكنْ للجرحِ بلسمَه، وإن كنتَ الذي يُنهدْ
ففيك، وإن تهدّمتَ، قلبٌ للرجا يُلبدْ
ومن في صدرهِ هذا اليقينُ… فلن يُكبدْ
ويا قلبًا تعبْ، إن النهاياتِ التي تُرشدْ
هي الآياتُ، هي المعنى، الذي بالدمعِ يُنشدْ
فلا تجزعْ إذا خابتْ ظنونُ الأرضِ، واستُبعِدْ
فإن النصرَ وعدُ اللهِ… لا يُنسى، ولا يُبددْ
وإن الفجرَ آتٍ، رغم هذا الليلِ، لا يُبعَدْ
ومن رحمِ المعاناةِ… يولدُ النصرُ… ويتجددْ

