تأتي الانتخابات البرلمانية الأخيرة في مصر كاشفةً عن مرحلة مفصلية في علاقة الدولة بالمجتمع، ليس من زاوية التنافس السياسي فقط، بل من زاوية استعادة معنى النزاهة بوصفها حجر الأساس في بناء شرعية برلمانية حقيقية. فالمشهد الانتخابي لم يعد مجرد حدث سياسي عابر، بل تحوّل إلى اختبار وطني يعكس مدى نضج التجربة الديمقراطية، وقدرتها على التطور استجابة لوعي المواطن وتطلعه لمؤسسات تمثله بحق، لا شكلاً.
في هذا السياق، جاءت توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي حاسمةً في تحديد مسار المرحلة، داعيًا إلى اتخاذ أعلى درجات الشفافية والدقة في التعامل مع الوقائع التي شهدتها بعض الدوائر الانتخابية التي تنافس فيها المرشحون الفرديون. وأكد الرئيس أن الهيئة الوطنية للانتخابات هي الجهة الوحيدة المختصة بفحص الطعون والوقائع، بوصفها هيئة مستقلة وفقًا للقانون، لتكون المرجع النهائي لضمان صحة العملية الانتخابية وعدم خضوع نتائجها لأي ضغوط أو تكهنات.
وشدد الرئيس على التدقيق الكامل عند فحص الطعون، واعتماد قرارات “ترضي الله وتعبر بأمانة عن الإرادة الحقيقية للناخبين”، لتتحول الشفافية من مبدأ نظري إلى ممارسة إجرائية واضحة. ولتعزيز هذه الشفافية على أرض الواقع، طالب سيادته بالتأكد من حصول كل مندوب مرشح على نسخة رسمية من كشف حصر الأصوات في اللجان الفرعية، بما يضمن أن من يدخل قبة البرلمان هو بالفعل ممثل لإرادة الشعب لا لتوازنات القوى.
ولم يتوقف الأمر عند مراجعة النتائج، بل امتد إلى معالجة المخالفات، حيث دعا الرئيس الهيئة الوطنية للانتخابات إلى الإعلان رسميًا عن الإجراءات المتخذة بشأن مخالفات الدعاية الانتخابية، منعًا لتكرارها، وترسيخًا لرقابة قانونية صارمة تعيد الانضباط إلى المشهد الانتخابي. كما شدد على أن الهيئة يجب ألا تتردد في اتخاذ القرار الصحيح عندما يتعذر التحقق من الإرادة الحقيقية للناخبين، حتى إن استلزم الأمر إلغاء المرحلة كلها أو إعادتها جزئيًا في دوائر محددة، على أن تُعاد الانتخابات في مواعيد لاحقة.
إن ما تتضمنه هذه التوجيهات من صرامة قانونية يكشف عن تحوّل مهم: أن الدولة لم تعد تعتبر الانتخابات مجرد مسار إداري، بل عقدًا أخلاقيًا مع الشعب، تُوزن فيه الأصوات بميزان الحق لا بميزان النفوذ. هنا تتكامل فكرة القيادة مع مفهوم العدالة، لا بوصفهما شعارات سياسية، بل أدوات عملية تضع المؤسسة في مواجهة مسؤولياتها أمام المواطن.
فالانتخابات، كي تؤسس دولة مؤسسات قوية، لا يكفي أن تُعلن نتائجها، بل يجب أن تُراجع، وتُدقق، وتُصحح، لأن إعادة الثقة عملية تراكمية تتطلب وضوح الإجراءات قبل وضوح التصريحات. ومن دون هذا المستوى من المحاسبة والانضباط، قد تتحول صناديق الاقتراع إلى شكلٍ بلا مضمون، وتدخل البلاد في حالة من الشك العام، حيث يغدو المواطن متسائلًا: هل يمثله البرلمان أم يمثل من يصل إليه بغير حق؟
ولعل القيمة الأهم في هذه المرحلة هي إدراك أن النزاهة ضرورة للحفاظ على استقرار الدولة. فكل تجاوز انتخابي، مهما بدا بسيطًا، هو شرخ في العقد الاجتماعي، وكل تصحيح شفاف هو خطوة في بناء دولة تستمد قوتها من قناعة الناس بها لا من سلطتها عليهم. ومن هنا تبرز أهمية التوجيهات الرئاسية في إعادة ضبط إيقاع المشهد، وترسيخ وعي جديد يفصل بين المنافسة السياسية المشروعة والتجاوز الذي يشوه الإرادة العامة.
وقد اختتم الرئيس موقفه بتأكيد ثقته في قدرة الهيئة الوطنية للانتخابات على أداء دورها الوطني بنزاهة وشفافية، في رسالة تحمل بعدين متلازمين: دعم المؤسسة لاختصاصها، وتحميلها مسؤولية تاريخية أمام شعب يراقب ويتابع. إنها لحظة تأسيس لثقافة انتخابية جديدة تمنح البرلمان القادم شرعية أقوى، وتمنح الدولة منصة أكثر رسوخًا للحكم الرشيد.
إن التحدي اليوم لا يكمن في الفوز بمقاعد، بل في الفوز بثقة الناس. ولا يكمن في إنهاء عملية انتخابية، بل في البدء بمرحلة سياسية تقوم على احترام صوت المواطن، والحفاظ على حقه، والتحلي بالشجاعة لاتخاذ القرار الصعب حين يتطلب الحق ذلك. وما يحدث اليوم هو خطوة في هذا الطريق الطويل؛ طريق تُقاس فيه قيمة الدولة لا بعدد ممثليها، بل بصدقهم أمام ضمائر الناخبين. انه عهد نزاهة قيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي .

