قراءة نقدية- فقهية.
ينفتح السؤال منذ الوهلة الأولى على أفق لغويّ وعقديّ كثيف، كيف انزاحت الكلمة من مدارها القرآني إلى استعمال شائع يحمل معنى مغايرا؟ وكيف غدت التسمية هوية شكلية بدل أن تكون توصيفا لحقيقة باطنية؟
في الوعي القرآني، لا يرد اللفظ جزافا، ولا تحمّل الكلمات بلا ميزان. فالقرآن نزل دون تشكيل، غير أنّ المعنى ظلّ منضبطا بسياق الفعل والغاية. واللفظ المحوري هنا هو “مُسَلَّم” و “مُسَلَّمون”؛ أي الذين سلَّموا وجوههم وأمرهم لله، فجاء التسليم فعلا كليّا يشمل الظاهر والباطن، ويجعل الانقياد اختيارا واعيا، وليس مظهرا اجتماعيا.
أمّا اللفظ المتداول “مُسْلِم” بصيغته الشائعة عند الأعراب، فقد جرى تحميله دلالات متحوّلة، أقرب إلى التلوّن منها إلى الثبات. في هذا التحوّل اللغوي، انتقل المعنى من التسليم إلى المظهر ازدواجية بين الظاهر والباطن، القلب والجلد. وهنا يظهر الفرق الجوهري بين الانتماء القيمي والانتماء الشكلي.
القرآن يقدّم تعريفه بدقّة،
فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ. فالتسليم وجهة كاملة. ويشرح المعنى لغويا: أسلم أمره إلى الله: أي خضع، وفوّض، وانقاد، وجعل الإرادة منسجمة مع الأمر الإلهي.
ويأتي الخطاب القرآني كاشفا للفارق بين الادّعاء والحقيقة: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا.
هنا يتمايز الإيمان باعتباره حالة قلبية راسخة، عن التسليم باعتباره بداية طريق، ويتمايز القول باللسان عن الحقيقة كونها بنية باطنية.
الأعراب، في هذا السياق، يمثّلون نمطا سلوكيا أكثر من كونهم توصيفا إستثناءيا:
نمط تبديل الجلد بحسب المقام؛ مع المتديّن يظهرون بِجِلدِ التديّن، ومع الكافر يظهرون بِجِلدَة الكفر، ومع الحق بِجِلد الصمت والإعراض، ومع الباطل بِجِلد إقدام وارتفاع صوت. هذا التلوّن يفرغ المفاهيم من معناها، ويحوّل الدين إلى أزياء، والمواقف إلى أقنعة.
فلماذا يسمّي الأعراب أنفسهم “مُسْلِمين”؟
في لغة الرموز وفي سراديب العالم السفلى للثعابين والشياطين، تحيل كلمة” مُسْلِم” إلى الجِلد؛ فالمُسْلِم هو من يبدّل ظاهره، ويتكيّف نفاقا، كما تغيّر الأفعى جِلدها. ظاهر متحوّل، وباطن مغاير، وسلوك قابل لإعادة التشكل.
القرآن لم يأت بلفظ مُسْلِم بكسر اللام، بل أتى بـ مُسَلَّم و مُسَلَّمون.
ولأن النص نزل بلا تشكيل، جرى توجيه الكلمة نحو ما يعكس السلوك، فاختار الأعراب اللفظ الذي يعكس سلوكهم.
في التراث، يظلّ المُسَلَّم هو من استقام باطنه مع ظاهره، وانتمى إلى ربّه بلا ازدواج. وقد عبّر الإمام علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، عن هذه الحقيقة في قوله:
وَإذَا بُلِيتَ بِنَكْبَةٍ فَاصْبِرْ لَهَا…مَنْ ذَا رَأَيْتَ مُسَلَّمًا لَا يُنْكَبُ.
فالمُسَلَّم صاحب موقف، ولذلك يُمتحن، لأنّ الامتحان قرين الثبات.
،؛، الأعراب، بدل أن يختاروا لفظا يصف جوهر الدين، اختاروا لفظا يترجم آليّات النفاق. ،؛،
ويؤكّد القرآن هذا المسار بقوله: فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ.
أَسْلَمَ أَمْرَهُ إلى اللَّهِ: خَضَعَ لِما أَرادَهُ اللَّهُ، سَلَّمَ أَمْرَهُ إلى اللَّهِ، فَوَّضَهُ، اِنْقادَ.
صلَّى الله عليه وسلَّم: دعاء للنبيّ محمد بالخير، أي سلَّم أمرَه إلى الله: فوّضه إليه.
المُسَلَّم والمُسَلَّمون هم أصحاب الكتاب بوصفه منهجا، أمّا المُسْلِمون في هذا السياق السلوكي فهم المنافقون، المتلاعبون، المتلوّنون، المبدّلون للظاهر كما تغير الافعى جلدها، المواربون في الباطن كما يتلاعب الشيطان.
من هنا، يصبح الخطر كامنا في جماعات الأعراب التي تحوّل الدين إلى طقس، والقرآن إلى خلفية صوتية، وتستبدل ميادين التدبّر بميادين الاستعراض. وقد عبّر القرآن عن هذه الحالة بقوله: إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ. وقوله: لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ.
الفرق إذن عميق بين أن يقال مُسَلَّم ومُسَلَّمون، وبين أن يستعمل مُسْلِم ومُسْلِمون بوصفه لافتة اجتماعية. الأول هو وحدة الباطن والظاهر، والثاني حالة تلوّن وتبدّل. وبين اللفظين، يقف التاريخ رقيبا معاينا لصراع بين حقيقة التسليم ومسرح الادّعاء. وما زال انتظاره قائما لأولئك الذين وصفهم القرآن وصفا صادقا: المُسَلَّمون.

