جاء رمضان .. ورحل بسرعة البرق .. حشد الناس همّتهم في فعل الخيرات .. التي حجزوها طيلة العام ..
وكأنّها محرّمةٌ في الشهور الأخرى .. طمعاً في الثواب العظيم .. والحسنات المضاعفة ..
فمنهم من صلّى كثيراً .. ومنهم من قرأ القرآن الذي كان مهجوراً .. ومنهم من تصدّق و زكّى .. ومنهم من زار المرضى .. وتذكّرهم بعد نسيان ..
ومنهم من تعامل مع شهر رمضان وكأنّه مثل بقيّة الشهور .. لم يراعي حرمته .. ولم يحرّم حرامه ولم يحلّ حلاله ..
ولم يعفّ لسانه عن فحش الكلام .. ولا عن الشتائم و السبّ بالدين .. ولم يرحم الآخرين من سوء معاملته .. ولا من الغيبة ولا النميمة ..
ومنهم من إعتبر شهر رمضان ليس شهر الصيام .. بل شهر الطعام .. قضى نهاره في النوم .. وليله على الموائد وكأنّه آخر زاده ..
ومنهم من دمعت عينه ندماً وأسفاً على ذنوبه التي ضاع فيها عمره وبكى طمعاً في غفران الله و رضاه ..
وثمّة أناسٍ يستشعرون شهر رمضان في كل لحظة تمرّ من عمرهم .. ويعلمون علم اليقين أن ربّ رمضان هو ربّ بقيّة الشهور .. ويعرفون الهدف الأساسيّ والقيمة السامية من فرض الصوم عليهم ..
هي تقوى الله سبحانه و تعالى ..
يهذّبون أنفسهم بالصوم عمّا أحلّ الله .. فما بالنا بالحرام ؟ فالله سبحانه و تعالى يرينا كيفيّة كسر شوكة النفس من الشرور والشهوات .. وكيفيّة السموّ بها نحو الأفضل .. إختلف الناس واختلفت مناهجهم وظروفهم في الحياة .. وهكذا أيضاً ستختلف دروبهم في الآخرة .. كلٌّ سيدفع ثمن إختياره .. إن خيراً فخيراً و إن شرّاً فشراً ..
فشهر رمضان هو المعلّم الذي يعطينا دروساً في الرقيّ والأدب مع الله أوّلاً .. و مع خلقه ثانياً ..
وممّا يثير العجب والدهشة .. أن بعض الناس يزداد صلفهم وجرأتهم في شهر رمضان .. وتضيق صدورهم .. وقد يصل بهم الأمر إلى القتل .. يقتلون النفس التي حرّم الله .. وكأنّهم لم يفقهوا شيئاً ولم يفطنوا الدرس الكبير .. وينتظرون بفارغ الصبر أن ينتهي الشهر لينفضوا عن أكتافهم مشقّة الجوع والعطش .. ولم ينالوا ما ناله المخلصون في التعبّد لله سبحانه و تعالى .. والتقرّب إليه .. فرُبّ ركعةٍ أو سجدةٍ بإخلاصٍ .. تنقذ صاحبها من النار .. ولرُبّ عابدٍ يرائي الناس ليقال عنه أنّه عابدٌ .. لم ينل سوى إعجابهم ..
فالإخلاص هو سر النجاح في العلاقة بين العبد و ربّه .. وفي العلاقة بين الإنسان و نفسه .. وبين الإنسان و غيره .. ومن فعل شيئاً إبتغاء وجه الله سبحانه و تعالى .. فإن الله يرزقه محبّة الناس في الدنيا ورضاه في الآخرة .. ومن فعل الخير رياءاً فليكتفي بصوت التصفيق .. وليذهب للآخرة صفر اليدين .. خالي الوفاض ..
فمتى نفق من غفلتنا ؟ ونعرف الحكمة من أوامر الله ونواهيه ؟ وننفّذها بكل دقّة و رضا ..؟!
مجرّد سؤال ..
أحلام شحاتة أبو يونس

