بقلم دكتورة دعاء معاطي
ملح الطعام هو المسؤول عن صحة الإنسان؛ فهو ينظم ضغط الدم، وينظم الأيض، ويساعد على التئام الجروح، ويحمي للبشر طعامهم. فكل ذلك يعني أن هذه المادة البلورية مسؤولة عن حياة البشر. لذا، ربط البشر المشاركة في الطعام بالوفاء والبقاء على العشرة، فمَن شارك الشخص في طعامه ولم يحفظ ودّه، فهو بطبعه غادر. وتروي الأساطير التاريخية أنك إذا أكلت ملح شخص وغدرت به، ينزل عليك البلاء. فكثيرًا ما نسمع في الفلكلور مثل “العيش والملح لا يهون”، بل كان العرب إذا دخل غريب سارعوا وقدموا له الماء والعيش والملح والطعام؛ لأنهم يعلمون أنه إذا أكل حفظ الدم والعرض.
هل من لم يأكل طعامك ينوي غدرك فعلًا؟ الحقيقة يظل الفلكلور موضع شك إلا أن يأتي القرآن بدليل يؤكد أن هذه حقيقة وليست أسطورة أو تاريخًا موروثًا. فالآية الكريمة التي تتحدث عن خوف إبراهيم عليه السلام عندما قدم الطعام للضيوف، وهي قوله تعالى: “فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ۖ قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ” [سورة هود: 70]. فقد أدرك إبراهيم أنهم ضيوف غير عاديين عندما رأى امتناعهم عن الطعام، وهذا ما جعله يشعر بالخوف إلى أن طمأنته الملائكة بأنهم مرسلون إلى قوم لوط.
والعجب كل العجب اليوم ما نراه حادثًا بيننا؛ فلا ملح يُطمر ولا وفاء يحدث. نرى البشر اليوم ينكرون كل عشرة، ويتخاصمون على أتفه الأمور. فالغادر لا يستحل طعامك فقط، بل كل شيء. أصبح البشر اليوم يتكالبون، وليتهم على شيء يستحق!
في حالة غريبة من نكران الملح والعيش والتنافس على أتفه الأمور، وحقد وغل ونكران لكل عشرة، وكأنهم عاشوا بلا ملح في طعامهم. الحقيقة لن يعود ذلك بالخير عليهم إذا لم يستقيموا، بل يستبدل الله قومًا غيرهم، فلا تكترث لكل هؤلاء.

