يقولون إن مصر أم الدنيا، وأنا لا أختلف معهم، لكن المشكلة أن هذه الأم تفرّق بين أولادها.
فالأغنياء أولادها من بطنها، والفقراء أولاد جوزها من مراته التانية.
الفرق واضح في المعاملة:
ابنها الحقيقي له الحلو كله، أما ابن مرات الأب فله البواقي.
—
للأغنياء… صدر الأم
في مصر، الأغنياء يعيشون في حضن الدولة كما يعيش الطفل في حضن أمه:
لو تعثر مشروعهم، الدولة تساندهم.
لو تهربوا من الضرائب، تُفتح لهم “تسوية ودية”.
لو أخطأوا، تُسمّى “هفوة رجال الأعمال”.
تُغني لهم الشاشات، وتُصفّق لهم الجرائد،
وتُضاء من أجلهم الشوارع حتى الفجر.
هم أبناء الأم، لهم الحنان، ولهم القانون الناعم، ولهم السلطة التي تبتسم دائمًا في وجوههم.
—
وللفقراء… عصا مرات الأب
أما الفقراء، فقصتهم مأساة مكتوبة بالطباشير على جدران الحواري.
يدفعون الضرائب من لقمة عيشهم،
ويحاسَبون على كل شيء: من رغيف الخبز حتى زفيرهم في المواصلات.
إذا أخطأ أحدهم، يُقال: “القانون فوق الجميع”،
وإذا تكلّم، يُقال: “مصر محتاجة رجالة مش شكاوي”.
هم أبناء “مرات الأب”، يعيشون في البيت نفسه لكن في الدور الأرضي،
يُشاهدون من الشباك حفلات السطح التي لا يُدعون إليها.
—
الوطن المزدوج
الوطن للأغنياء فندق خمس نجوم:
يأكلون فيه، ويعالجون فيه، ويخرجون منه إلى أوروبا في إجازة.
والوطن للفقراء طابور تموين، ودواء ناقص، وفاتورة كهرباء تنتظر.
بل حتى في الموت، الأغنياء يُدفنون في مقابر مكيفة،
والفقراء في مدافن مزدحمة تشبه مواصلاتهم اليومية.
—
الإعلام… صوت الأم للأغنياء
التلفزيون يبكي إذا بكى المستثمر،
ويتهم المواطن إذا تذمّر من الغلاء.
فالأم تخاف على سمعة ابنها المدلل،
لكنها توبخ ابن زوجها أمام الناس كلها.
حتى النشيد الوطني تغيّر إيقاعه، صار يُغنّى في القصور،
بينما الفقراء يسمعونه من راديو قديم بجوار طنجرة العدس.
—
المشكلة ليست في مصر… بل في تقسيمها
مصر لا تكره أبناءها، لكنها أُجبرت على التفرقة حين دخلت المصالح بيتها،
وحين صار “الكرسي” أغلى من “الضمير”.
المشكلة أن العدالة غابت، فصار الناس يميزون بين الأم ومرات الأب.
ولو عاد الضمير، ستعود الأم لتحتضن الجميع بلا تفرقة.
—
الخاتمة:
يا مصر، نحن كلنا أولادك،
لكننا نرجوك أن تسوي بيننا في الحنان قبل الطعام، وفي الكرامة قبل الرغيف.
فنحن لا نريد مال الأغنياء،
بل نريد وطنًا لا يُعاملنا كضيوف ثانويين في بيتنا الكبير.
نريدك أمًا فقط… لا مرات أب.

