بقلم: د. تامر عبد القادر عمار
ها هي مصر، كعادتها عبر التاريخ، تخرج من قلب العاصفة لتعيد للعالم اتزانه، وتذكّره بأن صوت الحكمة لا يزال قادرًا على أن يعلو فوق أزيز البنادق.
من شرم الشيخ.. مدينة السلام، صدح الصوت المصري مجددًا ليقولها بوضوحٍ قاطع: “لا للتهجير.. نعم لوقف النار والتعمير.” لم يكن ذلك مجرد شعارٍ سياسي، بل خلاصة نهجٍ مصريٍّ متجذر في وجدان الأمة، وموقفٍ وطنيٍّ ثابتٍ لا يتغير بتبدل الأزمنة ولا بتقلب الموازين.
لقد أثبتت مصر – بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي – أنها لا تنحاز إلا إلى الحق، ولا تتحرك إلا بوازعٍ من ضميرٍ إنسانيٍّ صادق. فعندما خيّم الدمار على غزة واشتعلت النيران في قلوب الأبرياء، كانت القاهرة تتحرك بصمتٍ وحنكة، تجمع الأطراف، وتطفئ النيران، وتعيد للعالم بريق الأمل في زمنٍ كاد فيه اليأس أن يهيمن على المشهد.
ومن قمة شرم الشيخ للسلام، أعلن الرئيس السيسي إلى قادة العالم، وإلى الإنسانية جمعاء، أن مصر لن تسمح بتهجير الفلسطينيين، ولن تقبل المساس بحقوقهم المشروعة في أرضهم، مؤكدًا أن السلام لن يكون حقيقيًا إلا إذا تأسس على العدالة والمساواة في الحقوق والكرامة الإنسانية.
في كلمته التاريخية أمام القمة، قال الرئيس السيسي بصوته الهادئ الواثق:
“في هذه اللحظة التاريخية الفارقة، نشهد التوصل إلى اتفاق شرم الشيخ لإنهاء الحرب في غزة، وولادة بارقة أملٍ جديدة، تغلق صفحةً أليمة في تاريخ البشرية وتفتح بابًا لعهدٍ جديدٍ من السلام والاستقرار في الشرق الأوسط.”
كانت كلماته تجسيدًا لرؤية مصر التي آمنت منذ عقودٍ بأن القيادة لا تكون في إشعال الحروب بل في القدرة على إنهائها، وأن المجد الحقيقي لا يُكتب بالدماء، بل يُشيّد بالبناء.
ومن قلب القاعة التي اجتمع فيها قادة العالم، رحّب الرئيس السيسي بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مثمنًا دوره في دعم خطة السلام، ومعلنًا عن تقدير مصر العميق “لقيادته الحكيمة وجهوده في إنهاء هذه الحرب المأساوية التي خسرت معها الإنسانية الكثير”.
لم تكن إشادةً دبلوماسيةً فحسب، بل كانت اعترافًا بالشجاعة في زمنٍ صعب، إذ أكد الرئيس السيسي أن:
“القيادة الحقيقية ليست في شن الحروب، وإنما في القدرة على إنهائها.”
ثم أعلن من على منصة التاريخ، أن مصر – تقديرًا لدور الرئيس ترامب – تهديه قلادة النيل، أرفع وسامٍ تمنحه الدولة المصرية، تكريمًا لمن يقدّم خدمات جليلة للإنسانية. كان المشهد مهيبًا، تُشرق فيه القاعة بنور الكلمات التي خرجت من قلبٍ يعرف معنى السلام، ويدرك قيمة الإنسان.
ومضى الرئيس السيسي ليُذكّر الحضور بأن مصر كانت أول من فتح باب السلام في الشرق الأوسط، يوم خطا الرئيس الراحل أنور السادات خطواته الجريئة نحو القدس عام 1977، لتبدأ من هناك صفحة جديدة في التاريخ الحديث للمنطقة. واليوم، تعيد مصر التأكيد على ذات المبدأ: أن السلام هو خيارها الاستراتيجي الأبدي، وأن حق الشعب الفلسطيني في دولته المستقلة ليس منحةً من أحد، بل حقٌّ إنسانيٌّ أصيل، لا يُسقطه الزمن ولا تضعفه العواصف.
وفي نبرةٍ جمعت بين القوة والعاطفة، وجه الرئيس نداءه إلى شعب إسرائيل قائلاً:
“فلنجعل هذه اللحظة التاريخية بداية جديدة، لحياةٍ تسودها العدالة والتعايش السلمي. دعونا نتطلع معًا إلى مستقبلٍ أفضل لأبناء بلادنا، نمد أيدينا لنبني السلام العادل والدائم لكل شعوب المنطقة.”
كانت تلك الكلمات بمثابة ميثاق جديد للإنسانية، تتجاوز الجغرافيا والسياسة إلى عمق الضمير الإنساني، تذكّر العالم أن السلام لا تصنعه الحكومات وحدها، بل تبنيه الشعوب حين تؤمن بأن خصوم الأمس يمكن أن يصبحوا شركاء الغد.
لقد ربط الرئيس المصري بين وقف إطلاق النار وضرورة إعادة إعمار غزة، مؤكدًا أن “السلام لا يكتمل إلا حين تمتد اليد للبناء بعد الدمار.”
ومن هنا أعلن عن استضافة مصر لمؤتمر التعافي المبكر وإعادة الإعمار والتنمية، ليكون خطوة عملية لترجمة الاتفاق إلى واقعٍ ملموس، وإعادة الحياة إلى شوارع غزة وأحلام أطفالها.
في تلك اللحظة، كانت كلمات الرئيس السيسي تحمل للعالم رسالة مصر الأبدية: أن القوة الحقيقية ليست في امتلاك السلاح، بل في امتلاك الضمير، وأن مصر التي كانت وستظل قلب العروبة النابض، هي القادرة على إعادة التوازن إلى الشرق الأوسط، وبناء شرقٍ جديدٍ “خالٍ من أسلحة الدمار الشامل، ومحصّنٍ ضد الإرهاب والتطرف، ينعم فيه الجميع بالسلام والعيش الكريم.”، وهكذا، جمعت مصر بين القيادة السياسية والرؤية الإنسانية، بين الإرادة الوطنية والموقف العالمي، لتؤكد أن دورها ليس إقليميًا فحسب، بل إنسانيًا شاملًا. فقد منحت مصر للعالم نموذجًا حيًّا في دبلوماسية السلام، وسياسة البناء، وإرادة التعمير بعد الدمار.
واليوم، بينما يحتفل العالم باتفاق غزة، فإن التاريخ سيسجل أن مصر كانت هي من أطفأت الحرب وأوقدت شعلة الأمل.
لقد أثبتت القاهرة مجددًا أنها الضمير الحي للأمة، وحامية الكرامة العربية، وراعية السلام في زمنٍ يحتاج إلى من يُذكّره بأن الإنسانية أكبر من السياسة، وأن الأوطان لا تُبنى إلا بالمحبة والإخلاص والإرادة.
إنها مصر التي لا تقول إلا ما تفعل، ولا تفعل إلا ما يُشرف التاريخ أن يُروى عنها.
ومن شرم الشيخ إلى غزة، ومن الضمير إلى العالم، ارتفعت راية السلام المصرية، تحمل للعالم أجمع رسالة الأبد:
لا للتهجير… نعم لوقف النار والتعمير

