بقلم: د. دُعَاء مُعَاطِي
كَثِيرٌ مِنَ الْبَشَرِ يُسْرِفُونَ فِي إِسْمَاعِنَا كَلِمَاتٍ حِسَانًا، ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهُ بِالْكَلِمَاتِ فَقَطْ تَحْيَا الْقُلُوبُ أَوْ تـُملَكُ، ثُمَّ تَأْتِي أَفْعَالُهُمْ فَتُخَالِفُ كَلِمَاتِهِمْ. إِنَّ الكَلِمَاتِ الْحِسَانَ نُلَاعِبُ بِهَا طِفْلًا صَغِيرًا، وَإِنْ مَنَعْنَا عَنْهُ يَوْمًا تَمْرَةً مَا عَادَ يَسْمَعُهَا. الْأَفْعَالُ هِيَ مَا تُتَوِّجُ الْعَلَاقَاتِ وَتَجْعَلُهَا تَدُومُ.
فِي حَيَاتِنَا آلَافٌ مِنَ الْأَصْوَاتِ الَّتِي قَدْ تَبْدُو مُزْعِجَةً فِي ظَاهِرِهَا، وَلَكِنَّهَا بِالنِّسْبَةِ لِبَشَرٍ كَثِيرِينَ قَدْ تَكُونُ مَصْدَرًا لِلسَّعَادَةِ وَالاطْمِئْنَانِ. التَّجَارِبُ هِيَ مَا تُثْبِتُ ذَلِكَ؛ فَصَوْتُ القِطَارِ الْمُرْتَفِعِ عَلَى أَبْوَابِ القَرْيَةِ يَظُنُّهُ البَعْضُ صَوْتًا مُزْعِجًا وَمُخِيفًا، وَلَكِنَّهُ لِلْبَعْضِ الآخَرِ صَوْتٌ لِلطُّمَأْنِينَةِ وَالْفَرَحِ. يَسْمَعُهُ طِفْلٌ يَنْتَظِرُ أَبَاهُ فَيَفْرَحُ وَتَتَرَاقَصُ دَقَّاتُ قَلْبِهِ، وَتَسْمَعُهُ مُسِنَّةٌ فَتَطْمَئِنُّ لِعَوْدَةِ ابْنِهَا. فَلَيْسَتِ الْأَصْوَاتُ وَالْحُرُوفُ بِلَفْظِهَا، وَلَكِنْ بِمَعْنَاهَا وَدَلَالَاتِهَا وَمَا تَحْمِلُهُ مِنْ أَفْعَالٍ.
صَوْتُ الدِّيكِ مَعَ تَوَاشِيحِ الْفَجْرِ قَدْ لَا يَكُونُ جَذَّابًا وَرَائِعًا، وَلَكِنَّهُ يُوَلِّدُ فِي النُّفُوسِ آلَافَ المَعَانِي، مِنْهَا التَّبْشِيرُ بِمِيعَادِ يَوْمٍ جَدِيدٍ، وَأَنَّ الْعَالَمَ لَا يَزَالُ مُسْتَمِرًّا. الطُّمَأْنِينَةُ تَشْمَلُ كُلَّ شَيْءٍ، وَصَخَبُ الْعَلَاقَاتِ قَدْ يُمِيتُ فِي النَّفْسِ كُلَّ شَيْءٍ جَمِيلٍ. الْوُدُّ وَالصَّفْحُ وَالْمَحَبَّةُ كَلِمَاتٌ لَا تُثْقَلُ بِحُرُوفِهَا، بَلْ بِدَلَالَاتِ مَعْنَاهَا وَتَصْدِيقِهَا بِالْأَفْعَالِ.
نَبَرَاتُ الصَّوْتِ قَدْ تَفْضَحُ كُلَّ شَيْءٍ؛ فَكَلِمَاتٌ حِسَانٌ بِصَوْتٍ لَيْسَ فِيهِ لَهْفَةُ الْفَرَحِ لَا خَيْرَ فِيهَا. قَدْ يُفِيدُ السُّكُوتُ مَا لَا تُفِيدُهُ الْكَلِمَاتُ. نُقَابِلُ بَشَرًا قَدْ لَا يَتَحَدَّثُونَ كَثِيرًا، وَلَكِنَّنَا نَشْعُرُ بِالاطْمِئْنَانِ فِي قُرْبِهِمْ، وَنُقَابِلُ آخَرِينَ لَا يَتَوَقَّفُ حَدِيثُهُمْ، وَلَكِنَّ الْقَلْبَ كُلَّمَا تَحَدَّثُوا شَعَرَ بِالْغُمُوضِ وَالْخَوْفِ.
قُلُوبُنَا لَمْ تُوضَعْ فِي صُدُورِنَا عَبَثًا، بَلْ وُضِعَتْ لِتَكُونَ جِهَازَ إِنْذَارٍ لِعَلَاقَاتٍ قَدْ تُدَمِّرُ مَا تَبَقَّى لَنَا مِنْ أَمَلٍ. عَلَى أَعْتَابِ قَلْبِكَ يُولَدُ حُلْمٌ وَيَمُوتُ آخَرُ. أَشْعُرُ دَائِمًا أَنَّ هَذِهِ الْمُضْغَةَ الَّتِي وَضَعَهَا رَبِّي بَيْنَ أَضْلُعِي هِيَ الْأَقْرَبُ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ لِلَّهِ تَعَالَى. أَمْلِكُ عَقْلًا رَشِيدًا، وَلَكِنَّ القَلْبَ أَرْشَدُ مِنْهُ. مَا تَغَافَلْتُ يَوْمًا عَنْ صَوْتٍ أَتَى مِنْ قَلْبِي يَرْفُضُ أَمْرًا، إِلَّا وَجَسَّدْتُ عَلَاقَاتٍ خَاسِرَةً.
الْبَشَرُ الَّذِينَ يَذُوبُونَ فِي كَلَامِهِمْ عَسَلًا وَلَا يَفْعَلُونَ مَا يَقُولُونَ، مَا نَجَحُوا يَوْمًا فِي تَمَلُّكِ قُلُوبِنَا. قَلْبُكَ هُوَ مِرْآةُ حَيَاتِكَ، لَا تُكَذِّبْهُ يَوْمًا، وَهَذِّبْهُ دَوْمًا بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى.
فَنَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبَّهَنَا دَائِمًا أَنَّ قَلْبَكَ هُوَ قَارِبُ نَجَاتِكَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ لَهَا سَائِرُ الْجَسَدِ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ لَهَا سَائِرُ الْجَسَدِ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ”.
وَيُؤَكِّدُ ابْنُ الْقَيِّمِ أَنَّ الْقَلْبَ يَعْتَرِضُهُ مَرَضَانِ: مَرَضُ الشَّهَوَاتِ وَمَرَضُ الشُّبُهَاتِ. إِذَا اسْتَحْكَمَا فِيهِ كَانَ هَلَاكُهُ وَمَوْتُهُ. لِذَا، لَنْ نَمْنَحَ قُلُوبَنَا إِلَّا لِأَصْحَابِ الْمَوَاقِفِ فِي حَيَاتِنَا، أَصْحَابِ دَقَّاتِ الْقُلُوبِ الصَّادِقَةِ. لَا يُمْكِنُ لِقَلْبٍ يُحَرِّكُ صَاحِبَهُ لِيَفْعَلَ شَيْئًا يُسْعِدُكَ إِلَّا إِذَا كَانَ شُعُورُهُ لَكَ طَيِّبًا، وَلَا يُمْكِنُ لِقَلْبٍ يَفْعَلُ شَيْئًا يُزْعِجُكَ أَوْ يَضُرُّكَ إِلَّا إِذَا كَانَ يَحْمِلُ قَلْبًا لَا يُحِبُّكَ، أَوْ عَلَى الْأَقَلِّ لَا يَحْتَرِمُكَ، مَهْمَا كَانَتْ كَلِمَاتُهُ مَدْهُونَةً بِعَسَلِ النَّغَمَاتِ.

