بقلم: دكتورة دعاء معاطي
راهن العالم منذ فجر الخليقة أن اهتمام الأم المصرية بأبنائها هو الأبرز والأكثر منذ فجر التاريخ، فمنذ أن دفعت إياح حتب بأحمس للأخذ بثأر أبيه سقنن رع، علمته أن الرجولة لا تجعله يترك الهكسوس في أرض جده وأبيه، فحرر مصر منهم وجعلها مقبرة لهم. وكذلك فعلت الملكة العظيمة تيتي مع توت عنخ آمون، الذي تمكن من جعل بلاده مستقرة في فترة حكمه. والفلاحة المصرية التي علّمت ابنها، بمساعدة أبيه في الحقل، أن يجتهد ليحصل على المركز الأول في فصله.
لكن ما نشهده في الطرقات اليوم أصبح يثير القلق والدهشة. ما هذه القيود التي انتشرت في كل المحافل والمصايف والطرقات؟ كيف تحول الاهتمام وإنتاج الملوك إلى تقليد كل ما يُباع في الأسواق، دون تفكير في الأثر التربوي والنفسي على الأطفال؟
صور تقييد الطفل
نلاحظ في المحافل والمصايف بداية ظاهرة غريبة، وهي وجود قيود لربط الطفل والتحكم في حركته، واستبدال توجيه الأم بهذه القيود. وحتى بعض الأمهات البسيطات يربطن الأطفال حتى ينتهين من أعمالهن المنزلية. عفواً سيدتي الأم، عليكِ الانتهاء منها وهو جالس على قدمك أو حتى وهو نائم.
الصورة التي تستحضرني عندما أرى هذه القيود في يد الأطفال هي صورة أغصان الورود إذا رُبطت بالحبال. كيف تعيش الورود بهذه الطريقة؟ إن المتابعة والاهتمام والتوجيه والمثابرة لا يمكن اختزالها للطفل في حبل أو قيد. لقد أثارت هذه القيود احتجاج الكثير من التربويين والنفسيين.
رأي التربية وعلم النفس
أوضحت البروفيسورة غراف -من شبكة “الصحة سبيلك للحياة” بمدينة بون الألمانية- أن ممارسة الأنشطة الحركية المتمثلة في اللعب والجري والقفز تعمل على دعم القدرات الجسمانية والذهنية لدى الطفل وتُعزز أيضًا من ثقته في نفسه.
وأضافت الطبيبة أنه حتى إذا تعرض الطفل للسقوط أثناء القفز واللعب، ينبغي على الآباء دعم تحركه ولعبه وإتاحة الفرصة له لتجربة أشياء متعددة بمفرده، إذ يساهم ذلك في إفادة الطفل على المدى الطويل.
رأي الشرع
هذه القيود لا تُقيّد يد الطفل فحسب، بل تُقيّد عقله وتجعله طفلًا يُنقاد في كل شيء. كيف لهذا الطفل أن يكون قائدًا في عمله، أو رئيسًا لفريق عمل، أو حتى مخترعًا يفكر خارج الصندوق؟ إن ما نفعله بأطفالنا ليس خطأً تربويًا ونفسيًا فقط، بل هو إثم ديني أيضًا.
إن هذا السلوك بعيد كل البعد عن تربية النبي محمد صلى الله عليه وسلم لفاطمة، حيث كان يُدللها ويجلسها في حجره قائلًا: “مرحبًا بأم أبيها”، ثم يحمل أبناءها على كتفه بعد ذلك. فلا قيود تجوز في أغصان الورود.

