بقلم الكاتب الصحفي
د/ عاشور غريانى
رغم أننا في عصر “أسرع تواصل”، لم يعد أحد يشعر بقرب أحد..
الأخ يبتعد عن أخيه، الجار لا يعرف جاره، الصديق لا يرد إلا برسالة “مشغول دلوقتي”، حتى الزوج والزوجة أصبح بينهما ألف حائط من الصمت الإلكتروني.
هكذا أصبح الإنسان في 2025 يعيش وحده وسط الزحام، محاصرًا بعالم افتراضي يعزله عن دفء العلاقات الحقيقية.
مشكلة عصرية صادمة:
في استطلاع رأي حديث شمل أكثر من 3000 أسرة مصرية، جاءت النتيجة صادمة:
أسباب الأزمة.. ليست التكنولوجيا وحدها:
الآباء يلهثون خلف لقمة العيش، والأبناء يبحثون عن أي “مهرب نفسي” في عالم افتراضي وهمي.
ثقافة “كل واحد في حاله”، أصبحت مقبولة بل ومطلوبة عند كثيرين، تحت شعار: “مش لازم الناس تعرف عني كل حاجة!”
الأسرة اليوم بلا روابط حقيقية. الصديق أصبح رقمًا على الهاتف.
حتى الجيران، لم تعد تربطهم جلسات القهوة والسهرات والزيارات، بل بالكاد تبادل السلام على السلالم.
تأثير هذا التغير:
جيل هش نفسيًا:
لم يعد الأبناء يعرفون كيف يواجهون الحياة، يبحثون عن الاهتمام في علاقات زائفة عبر الإنترنت.
زيادة معدلات الطلاق:
لأن الأزواج توقفوا عن الكلام، وكل طرف يبحث عن من يفهمه خارج البيت.
انعدام الثقة بين الناس:
أصبحنا نخاف من بعض أكثر مما نطمئن لبعض، وكل شخص يضع ألف حاجز قبل أن يسمح لأحد بالاقتراب.
مجتمع بلا روح:
نعيش جنبًا إلى جنب، لكن لا نعرف عن بعض شيئًا.. حتى مشاعرنا أصبحت “إيموجي” تُرسل ببرود.
أصوات من قلب الشارع:
الحاج عبد الرحمن (٦٥ سنة – متقاعد):
> “زمان كنا نعرف بعض بالشارع اسمًا وطباعًا.. النهاردة ساكنين فوق بعض ومحدش عارف حد!”
أميرة (٣٢ سنة – موظفة):
> “جوزي بيتكلم مع صحابه في الجروب أكتر ما بيكلمني، وأنا كمان بقيت بتسلّى على التليفون وأسكت.”
كريم (١٨ سنة – طالب جامعي):
> “مش بعرف أتكلم مع أهلي.. لو عندي مشكلة بحكيها لحد غريب على النت مش لأمي ولا لأبوي!
الحل؟ هل هناك أمل؟
تخصيص وقت ثابت كل يوم للأسرة، بلا تليفونات.
إعادة فكرة زيارة الجيران، صلة الرحم، لقاء الأصدقاء وجهًا لوجه.
إعادة إحياء الحوارات الأسرية، حتى ولو في أبسط الأمور.
تشجيع الأبناء على التفاعل مع الناس الحقيقيين، لا الاكتفاء بالشاشات.
خاتمة:
لم نخلق كي نعيش وحدنا..
ولو استمر كل شخص يعيش في “جزيرته الصغيرة”، لن نجد غدًا أحدًا يطرق بابنا، لا في الفرح ولا في الحزن.
الحياة ليست شاشة.. ولا حبًّا مرسومًا بقلب أحمر صغير. الحياة ناس.. وكلمة.. وضحكة.. وحضن

