عاد الجدل العالمي حول سياسات القنب إلى الواجهة داخل أروقة الأمم المتحدة في فيينا، حيث حذر خبراء في الصحة العامة والسياسات الدولية من اتساع الفجوة بين الأدلة العلمية والقرارات السياسية المتعلقة بتنظيم هذه المادة التي تشهد سوقها التجارية نموًا سريعًا حول العالم.
وجاءت هذه التحذيرات خلال فعالية جانبية عُقدت على هامش الدورة التاسعة والستين للجنة الأمم المتحدة للمخدرات، تحت عنوان “إعادة الاعتبار للعلم في إصلاح سياسات القنب”، ونظمتها منظمة Community Alliances for Drug Free Youth.
خلال النقاش، أكد المشاركون أن السياسات الدولية المتعلقة بالقنب لم تواكب التطورات العلمية والاقتصادية التي شهدها هذا المجال خلال السنوات الأخيرة.
وقال جون ريدمان، المدير التنفيذي للمنظمة، إن التوصيات العلمية التي قدمتها منظمة الصحة العالمية بشأن إعادة تصنيف القنب لم يتم اعتماد معظمها خلال تصويت لجنة المخدرات بالأمم المتحدة عام 2020، الأمر الذي خلق ما وصفه بـ”فراغ سياسي”.
وأضاف أن هذا الفراغ سمح بتوسع سريع للسوق التجارية للقنب في عدد من الدول، في ظل غياب إطار تنظيمي دولي واضح يوازن بين المصالح الاقتصادية ومتطلبات الصحة العامة.
وحذر ريدمان من أن صناعة القنب التجارية بدأت تتبع نماذج مشابهة لصناعات التبغ والكحول، حيث تعتمد أرباحها بدرجة كبيرة على المستخدمين الأكثر استهلاكًا.
وأشار إلى أن ما يقرب من 80 في المئة من أرباح الصناعات المرتبطة بالمواد الإدمانية تأتي عادة من 20 في المئة فقط من المستخدمين، وهم الأكثر اعتمادًا على هذه المنتجات.
وقال إن هذا النموذج الاقتصادي يثير مخاوف خاصة بشأن استهداف الشباب، الذين يمثلون الفئة الأكثر عرضة لمخاطر الاستخدام المبكر.
من جانبها، أكدت الدكتورة جينيفر تريمسترا، المتخصصة في تعليم الكانابينويدات، أن النقاش حول القنب غالبًا ما يتم بطريقة مبسطة لا تعكس تعقيد هذا النبات من الناحية العلمية.
وأوضحت أن القنب يحتوي على أكثر من مئة مركب كيميائي مختلف، أبرزها مركبا THC وCBD، وهما الأكثر دراسة في الأبحاث الطبية.
وأضافت أن بعض الأدوية المستندة إلى هذه المركبات حصلت بالفعل على موافقات تنظيمية في الولايات المتحدة وعدد من الدول، لكنها شددت على أن تطوير أدوية آمنة وفعالة يتطلب إجراء تجارب سريرية دقيقة ومستمرة.
وكشفت تريمسترا أن السنوات الأخيرة شهدت زيادة ملحوظة في عدد الدراسات السريرية المتعلقة بالقنب ومشتقاته، حيث تضاعف عدد الأبحاث المسجلة في قواعد البيانات العلمية العالمية منذ عام 2018.
وقالت إن المجتمع العلمي يعمل على بناء قاعدة قوية من الأدلة العلمية لتقييم الفوائد والمخاطر المحتملة لهذه المواد.
رغم الإمكانات الطبية لبعض مركبات القنب، حذر المشاركون من تزايد بعض المخاطر المرتبطة بالاستخدام غير المنظم.
ومن بين هذه المخاطر اضطراب استخدام القنب، وهو أحد أشكال الإدمان الذي تشير تقديرات إلى أنه يكلف النظام الصحي في الولايات المتحدة مليارات الدولارات سنويًا.
كما أشار الخبراء إلى ظهور حالات مرضية مثل متلازمة القيء المرتبط بالقنب، إضافة إلى بعض التأثيرات المحتملة على وظائف الكبد والصحة النفسية.
أحد أبرز محاور النقاش كان تأثير القنب على الشباب.
فقد استشهد المتحدثون بدراسة طويلة الأمد أُجريت في نيوزيلندا واستمرت نحو أربعة عقود، أظهرت أن الاستخدام المبكر للقنب قد يرتبط بانخفاض ملحوظ في معدل الذكاء لدى بعض المستخدمين.
وحذر الخبراء من أن استخدام القنب في سن مبكرة قد يؤثر على تطور الدماغ، ويزيد من احتمالات الإدمان ويؤثر على المسار التعليمي والاقتصادي للأفراد لاحقًا.
في ختام الجلسة، أكد المشاركون أن العالم يقف اليوم أمام مفترق طرق في ما يتعلق بسياسات القنب.
فمن جهة، تتوسع الأسواق التجارية لهذه المنتجات بسرعة، ومن جهة أخرى تتزايد الدعوات لاعتماد سياسات تستند إلى الأدلة العلمية وتحمي الصحة العامة.
ودعا المتحدثون إلى إطلاق مراجعة علمية دولية جديدة للأبحاث التي ظهرت خلال العقد الأخير، وتعزيز التعاون بين الدول الأعضاء في الأمم المتحدة لضمان أن تكون السياسات المستقبلية متوازنة بين الابتكار الطبي والتنظيم الصحي.
وأكدوا أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تنظيم سوق القنب، بل في ضمان ألا تتقدم المصالح التجارية على حساب صحة المجتمعات، وخاصة الفئات الأكثر هشاشة مثل الشباب

