هناك لحظة في عمر كل إنسان لا تشبه ما قبلها ولا ما بعدها لحظة يقف فيها على مفترق صامت بين رحلتين رحلة انتهت وأخرى لم تولد بعد في تلك اللحظة حين يختلط صدى الأمس بأنفاس الغد يعلو السؤال الذي لا يسمعه إلا أصحاب العزم
من يجرؤ أن يكون منافسا
لكن المفارقة المدهشة أن العالم بأسره لا ينافسك ولا يقف في طريقك ولا يضع لك العثرات لقد كنت أنت المنافس وأنت العثرة وأنت الطريق المعركة ليست ضد بشر بل ضد خيبات خفية ضد
خوف ارتعشت له الروح يوما ضد وجع دفنته وما يزال ينبض في الأعماق ضد ماض يحاول أن يقف بينك وبين ما تريد أن تكون
هذه هي الحرب التي لا يشاهدها أحد لكنها وحدها التي تقرر لمن تكون القمة
كم من إنسان لبس ثوب القوة أمام الناس لكنه انهار أمام نفسه
وكم من آخر حسبه الناس ضعيفا فإذا به يقف في صمت عظيم يتحدى قلبه المنهك وينتصر
في كل خطوة تخطوها في كل تنهيدة خرجت منك في كل ليل واجهته وحدك كنت تبني حصنا من الصبر دون أن تدري
الروح لا تقوى في الأمان بل في الانكسار
ولا تنضج في الراحة بل في المعارك التي لا يراك فيها أحد
ولا تنتصر حين يهتف لها الناس بل حين تصرخ وحدها في الظلام وتنهض رغم التعب وهكذا شيئا فشيئا يتحول
السؤال من هل من منافس
إلى هل بقي أحد يستطيع اللحاق بي هناك نوع من البشر لا يحتاجون إلى جمهور يصفق لهم ولا إلى شهرة تلمع أسماءهم
يكفيهم أن يقفوا في آخر الليل أمام المرآة يرون الوجع الذي مروا به والخيبات التي صمدوا لها والسقوط الذي تجاوزوه ثم يقولون
لأنفسهم أحسنت لقد نجوت هذا هو الفوز الحقيقي فوز لا يعرفه إلا من ذاق مرارة الطريق وتجرع الألم قطرة قطرة ثم عاد أقوى مما كان أن تنتصر على الآخرين أمر سهل لكن أن تنتصر على نفسك
أن تكسر خوفك أن ترويض قلبك حين يتألم
أن تمشي رغم السقوط وتبتسم رغم الانكسار وتواصل رغم الصمت
هذه بطولة لا يقدر عليها إلا من علمته الحياة معنى النجاة
وفي النهاية
حين تصل إلى قمتك الخاصة تلك القمّة التي لم يصعد إليها أحد سواك ستلتفت إلى الوراء وترى الطريق الطويل الموحش الذي قطعته وحدك وستعرف أن كل لحظة ألم كانت تدفعك نحو عرشك عرش الإرادة وحين تستوي عليه ستقول بعمق من يعرف نفسه لم يوجد يوما من ينافسني لقد كنت خصمي الأول ونصري الأكبر

