كان الناس قديمًا يعرفون قدوم رمضان قبل أن تعلنه دار الإفتاء، وقبل أن تذيعه القنوات الفضائية، وقبل أن تتصدر أخباره مواقع التواصل الاجتماعي. كانت روائح البيوت وحدها تكفي لتعلن أن ضيفًا عظيمًا اقترب؛ البيوت تُنظَّف، والسجاجيد تُغسل، والأواني تُرتَّب، وكأن الأسرة تستعد لاستقبال إنسان كريم لا مجرد شهر في التقويم. لم يكن رمضان مناسبة عابرة، بل حالة عامة تصيب القرية والمدينة معًا، حتى تشعر أن الزمن نفسه قد هدأ احترامًا له.
في تلك الأيام لم تكن الزينة تُشترى بقدر ما كانت تُصنع. الأطفال يمررون خيوطًا بين الشرفات، يعلّقون ورقًا ملوّنًا وفوانيس بسيطة قد لا يتجاوز ثمنها قروشًا، لكنها كانت تساوي فرحة الدنيا. لم تكن الشوارع مضاءة كما الآن، لكنها كانت أكثر إشراقًا؛ لأن نورها كان صادرًا من وجوه الناس لا من مصابيح الكهرباء. وكان صوت الطفل وهو يردد «وحوي يا وحوي» يساوي عند الجميع نشرة أخبار كاملة، فالخبر الحقيقي وقتها لم يكن في شاشة، بل في قلب المجتمع.
قبل المغرب بدقائق كانت القرية كلها تدخل حالة سكون مهيبة، لا ضجيج سيارات ولا أصوات مرتفعة، فقط انتظار صادق للأذان. الأم تضع الأطباق القليلة على المائدة، والأب يجلس مطمئنًا، والأطفال يراقبون السماء أو يستمعون إلى الراديو في شغف حقيقي. لم تكن الموائد عامرة بما نراه اليوم، ومع ذلك لم يعرف أحد كلمة “نقص”. طبق فول أو عدس، خبز ساخن، وجبنة قديمة، وربما بعض البلح… لكنها كانت موائد مليئة بالرضا. لم يكن الشبع وقتها في المعدة فقط، بل في القلب، ولهذا كان الجميع يقوم من الطعام خفيف الروح، مستعدًا لصلاة التراويح.
وكان المسجد قلب الحياة في رمضان؛ تمتلئ صفوفه قبل الأذان، يتعارف الناس فيه، تُحل الخصومات بعد الصلاة، وتُعطى الصدقات في هدوء لا يعلم بها أحد. الطفل يتعلم أول خطواته نحو الالتزام من يد أبيه، والشاب يجد مكانه الطبيعي بين الكبار دون حواجز. كانت التراويح حدث اليوم الرئيسي، لا شيء يسبقه ولا شيء يزاحمه. وبعد الصلاة تبدأ جلسات السمر البسيطة؛ شاي على المصطبة، حديث عن الذكريات، وضحكات صادقة لا تحتاج إلى شاشة.
أما اليوم فقد تغيّر المشهد كثيرًا. الهلال نفسه يظهر، والأذان نفسه يرفع، لكن الإحساس لم يعد ذاته. أصبح رمضان عند البعض موسم شراء قبل أن يكون موسم عبادة، وموسم مشاهدة قبل أن يكون موسم مغفرة. صرنا نستعد له بقائمة الطعام لا بقائمة الأعمال الصالحة، وننشغل بما سنأكله أكثر مما ننشغل بما سنتركه من ذنوب. الموائد امتلأت بما لذّ وطاب، لكن الطمأنينة نقصت، والسهر امتد حتى الفجر، بينما اختفت صلاة الفجر من يوم كثيرين.
التكنولوجيا قرّبت المسافات لكنها، على نحو غريب، أبعدت القلوب. في الماضي كان البعيد يُزار، واليوم القريب لا يُطرق بابه. كانت العائلة تجتمع حول طبق واحد، واليوم تجتمع حول شاشة واحدة، وكل فرد يحمل هاتفه منفصلًا عن الآخرين. أصبح السلام رسالة، والزيارة مكالمة، وصلة الرحم منشورًا إلكترونيًا. لم يعد الجد يحكي كما كان، ولم يعد الأطفال ينتظرون حكايته، لأن العالم كله صار داخل جهاز صغير في أيديهم.
لا يعني ذلك أن الزمن القديم كان خاليًا من المشقة أو أن الحاضر خالٍ من الخير، لكن الحقيقة أن روح رمضان قد تأثرت بتغير الإنسان نفسه. لم نفقد الشهر، بل فقدنا الإحساس به. كان رمضان قديمًا يبطئ إيقاع الحياة فنشعر به يومًا يومًا، أما الآن فيمر سريعًا حتى يفاجئنا العيد وكأننا لم نعشه. كان الناس يخشون أن ينقضي الشهر قبل أن يتغيروا، واليوم يخشى البعض أن ينقضي قبل أن ينتهوا من مسلسلاته.
رمضان لا يحتاج إلى أن يعود كما كان في شكله، بل في معناه. ليس المطلوب أن نهجر العصر أو نطفئ الكهرباء أو نغلق الهواتف، وإنما أن نعيد ترتيب قلوبنا. أن يكون القرآن حاضرًا كما الشاشة، وأن تكون العائلة مجلسًا يوميًا لا صورة موسمية، وأن يصبح الدعاء عادة لا استثناء. حينها فقط سنكتشف أن رمضان لم يتغير أبدًا، وأن الذي تغيّر هو إيقاع حياتنا.
سيظل الهلال يظهر كل عام في السماء ذاتها، لكن السؤال الحقيقي ليس متى يأتي رمضان، بل متى نأتي نحن إليه. فمن أعاد لرمضان مكانه في قلبه عاد إليه رمضان القديم، حتى وهو يعيش في زمن حديث؛ فالشهور لا تتبدل، وإنما الذي يتبدل هو الإنسان.

