ليست كل الرحلات تحتاج طريقا أحيانا نرحل من داخلنا ونحن ما زلنا في أماكننا بنفس الوجوه لكن بقلوب لم تعد كما كانت
نرحل بصمت يشبه الموت البطيء حين تضيق بنا الحياة رغم اتساعها وحين نصبح غرباء في الأماكن التي كانت يوما تسكننا
نرحل ونحن نبتسم كأننا بخير بينما في أعماقنا تنهار مدن من الحنين وتطفأ أضواء كانت لا تنطفئ
نرحل دون أن نحمل حقائب لأن ما يثقلنا ليس ما نملكه بل ما نحمله من خيبات وأمنيات ذابلة
كم من مرة جلسنا وسط الناس وضحكنا بينما أرواحنا في زاوية مظلمة تبكي بصمت
كم من مرة شاركنا الأحاديث العادية وأجسادنا هنا لكن قلوبنا غادرت منذ زمن بعيد
ذلك الرحيل الخفي الذي لا يدي علن في وداع ولا يكتب في منشور هو الأشد قسوة
أن تبقى بين الوجوه نفسها تسمع نفس الأصوات لكنك لا تشعر بشيء سوى الفراغ
حين نرحل ونحن ما زلنا هنا لا يلاحظ أحد غيابنا لأننا نحترف التمثيل ببراعة
نرتدي ابتسامة تحفظ ماء القلب ونتكلم بحذر كي لا يفضح ما نحاول إخفاءه
نضحك كي لا نسأل أنفسنا متى انطفأنا متى فقدنا الدهشة
نرحل ونحن نبدو أقوى بينما في الداخل هشيم من التعب لا يسمعه أحد
نرحل حين نشعر أن الكلام لم يعد يجد طريقه إلى الفهم وأن وجودنا صار عبئا لا حضورا
حين نصبح كالأثاث القديم في حياة الآخرين نملأ المكان دون معنى
حين تتغير النوايا وتبهت التفاصيل التي كانت تسعدنا
حين نكتشف أن بعض الوجوه كانت عابرة وأننا أعطينا أرواحنا لمن لم يعرف قيمتها
وفي ذلك الرحيل لا نغادر المدن بل نغادر أنفسنا القديمة
نترك خلفنا من كنا ونسير بقلوب جديدة لا تثق بسهولة ولا تفرح بسرعة ولا تحزن كما كانت
نتعلم أن البقاء لا يعني الحياة وأن الصمت أحيانا أكرم من ألف حوار بلا معنى
نتعلم أن الخسارة لا تأتي من الغياب فقط بل من بقاء خال من الشعور
حين نرحل ونحن ما زلنا هنا نبدأ في فهم أشياء كثيرة
نفهم أن بعض العلاقات تنتهي دون مشهد درامي فقط تنطفئ كما تنطفئ شمعة في غرفة مزدحمة بالهواء
نفهم أن القلب لا يكسر دفعة واحدة بل قطعة بعد أخرى كل يوم قليلا
ونفهم أن التمسك بالناس لا يعيدهم وأن محاولات الإصلاح المتكررة تقتل ما تبقى من الروح
يا لهذا الرحيل الذي لا يرى أحد أثره لكنه ينهشنا من الداخل
يا لهذا الغياب الذي لا يعلن لكنه يغيرنا إلى الأبد
نمشي في الشوارع نفسها ونجلس في الأماكن ذاتها لكننا لا نشعر بالانتماء كما كنا
كل شيء يبدو كما هو إلا نحن لم نعد نحن
ومع الوقت نصبح أكثر هدوءا لا لأننا بخير بل لأننا تعبنا من الصراخ
نتقبل الخسارات كأنها جزء من طقوس النضج ونغفر دون تبرير ونرحل دون ضجيج
نفهم أن البعض خلق ليكون مشهدا عابرا في حياتنا لا نهاية القصة
ونتعلم أن أجمل أنواع السلام هو أن نتوقف عن انتظار من لا يعود
وحين يرانا الناس بعد كل هذا يظنون أننا كما كنا
لكنهم لا يعلمون أن بداخلنا مدينة هدمت وأن أرواحنا صارت تسكن الخرائب بأدب
نبدو بخير لكننا في الحقيقة مجرد بقايا بشر عرفوا ذات يوم كيف يحبون بصدق ثم رحلوا في صمت نبيل دون أن يخطوا خطوة واحدة
هكذا نرحل يا صديقي
نرحل ونحن ما زلنا هنا بأجساد حاضرة وقلوب غابت بملامح مطمئنة وأرواح تائهة تبحث عن بيت جديد في داخلها
رحيل بلا سفر لكنه أبعد من كل المسافات وأوجع من كل فراق معلن

