كانت السماء رمادية إلى الحد الذي يرهق البصر
كأنها عكست على ملامحها كل ما في القلوب من تعب وارتباك
الريح تمر كأنها تفتش في الوجوه عن بقايا أمل
لكنها لا تجد سوى نظرات حائرة بين الرجاء والانطفاء
في هذا اليوم الذي فقد ملامحه شعرت أن الصبر نفسه تهاوى
لم يعد يقوى على حمل وجع الناس ولا على تهدئة النبضات المرتجفة في صدور أنهكها الانتظار
كأن الأيام أرهقت من طول السير فانحنت في منتصف الطريق تبحث عن نفس جديد لتكمل المسيرة
كل شيء بدا متعبا
الأرض والسماء وحتى الكلمات التي كانت تواسي لم تعد تملك الدفء الكافي
صارت الجمل كالعصافير الجريحة تطير قليلا ثم تسقط في منتصف الحلم
وصار الصمت سيد الموقف لا لأن الكلام غير ممكن بل لأنه لم يعد نافعا
رأيت الناس يمشون بلا ملامح
يحملون على أكتافهم خيبات متكررة
ويجرون خلفهم ظلالا من محاولات لم تكتمل
يتظاهرون بالقوة بينما القلوب من الداخل تنزف بلا دم
تصرخ بلا صوت وتبتسم كي لا تفضح أمام العالم
حين سقط الصبر من يد الأيام
تعانقت الهزائم كالأصدقاء القدامى
ورقصت الأحلام على أنقاض نفسها
وصار الليل يطول أكثر مما ينبغي كأنه يخشى أن يسلم شفقه لنهار لم يعد يستحق الشروق
لكن في هذا الانكسار جمالا خفيا
فمن رحم التعب تولد العزيمة
ومن عمق الوجع تتفتح بذور الفهم
حين تسقط الأيام يتعلم الإنسان كيف يحملها من جديد
يتعلم أن النور ليس بعيدا لكنه يحتاج إلى قلب لا يخاف الظلام
يا صديقي لا تحزن حين ينهار الصبر
فكل سقوط يحمل في طياته دعوة للنهوض
الأرض لا تخجل من المطر والشجر لا يعتذر عن الخريف
كذلك نحن يجب أن نحزن بصدق كي نعرف كيف نشفى
وأن ننكسر بعمق كي نتعلم كيف نصير أقوى
إن الأيام مهما أسقطت أوراقها ستعود لتزهر
والوجع مهما طال سينحني أمام لحظة صدق واحدة تعيد ترتيب الفوضى
فالحياة يا صديقي ليست صراعا مع القدر بل محاولة شجاعة لفهمه
وحين نفهمه نتصالح مع كل ما حدث ونبتسم رغم النزيف
وفي نهاية المطاف
حين يجف الدمع وتعود الطمأنينة بخطوات خجولة
سنعرف أن الصبر لم يسقط حقا
بل كان ينتظرنا عند آخر الطريق
لينحني ويهمس في آذاننا
قد تأخرت لكنني جئت وجئت لأبقى

