افقت على ريح تعصف في الخارج، وحبّات برد تقرع بلطف بلور نافذتي،ثمّ اشتدّ القرع لحوحا حتّى ظننت أنّها ستكسر البلور السّميك وتقتحم عليّ وحدتي دون إذن،اقتربت من النّافذة ،مشهد يسلب الألباب،انا اعشق غضب الطّبيعة في جمالها في ألوانها في هدؤها وثورتها…
الطبيعة اليوم ثائرة،السّماء مكفهرّة كوجهي اليوم،الرّيح تعبث بأوراق الأشجار ،تلوي أعناق الأزهار،حالها كحالي استفقت اليوم وقد انكسرت قامتي وذهب عنّي شموخي في غيابه،والمطر بدأ زخّات،وها هو يصير في لمح البصر سيولا عارمة لا تبقي ولا تذر، حال المطر كحالي ،البارحة بكيت بدموع حرّى كما بكيت بحرقة يوم وفاته،انهمرت دموعي مدرارا، سقيت الحديقة الجرداء بعد الأربعين نبتت زهور صغيرة، الحرف الأوّل من اسمها هو الحرف الأوّل من اسمه واسمي،هي “زهور النّرجس” وهو” نور” ، وانا “ندى”، ابتسمت في سرّي وقلت: “غدا فجرا تتلألأ حُبيبات النّدى على بتلاتك فتتفتّحين ومنك ينبع أريج ينعش العابرين ،وتحت شعاع الشّمش،ينبثق منك ذاك النّور الذّي يملأ كياني جمالا”مرت سنوات وكلّ سنة يذكرني النّرجس بك،على موعد معك،ها هي يدك اليُسرى على خصري تشاكسه كلّما وقفنا نستمتع بموسيقى المطر، ويدك اليمنى تتغلغل في مفاوز شعري مرّة وعلى خدّيَ مرّة أخرى تداعب ملمسه الحريريّ،وكلّما تمنّعت ازداد حُنوّك عليّ،وتتالت أغنياتك، دندناتك، معسول كلامك…
كلّ شيء كما هو مذْ رحلت،اطار صورة جمعتنا ذات ربيع في مكانها،قميصك بعطرها الفاخر متعب فوق كرسيّ هزّاز،كنت حين يبكيني شوق أو يسبيني دلالك تجلسني على ركبتيْك وتهزّني بكرسيّك هزّا خفيفا فأضحك كطفلة،قلمك قرب دفترك المليىء بمفردات الغرام التّي كنت تنقلها من كتب الغزل لتسمعني إيّاها في الأعياد،قميصيَ الورديّ الحريريّ يلتحف حزنه في صمت رهيب،ربطة عنق ملقاة على الأرض جثّة هامدة أتعبها الحنين،هدية في غلاف مُغرٍ لم تفتح،لا أعرف ماهي ولا أريد أن أعرف،رواية أنهيت كتابتها توقفت عند”في ليلة حبّ على أنغام اغنية امّ كلثوم “هذه ليلتي” أشبعته “نور”حبّا ،جعلته يعيش ليلة في عيون القمر، وفجأة سكت قلبه النّابض وصار جثّة باردة،لم يتحمّل قلبه الصّغير أمواج الفرح التّي غمرته بها” رحل بطل روايتي ، ورحلت معه في ليلة واحدة…
كلّ شيء على حاله،لا تراوغي وجهك تغيّر كثيرا،ذهبت ملامحه التّي قتلت عشّاقك،ذهب بريقه،ذبل القه، ماتت رغبة الحياة فيه،لا إغراء،لا إغواء إلاّ حزمة من التّجاعيد،وبصر من شدّة البكاء والنّحيب ضعف،وكلمات سجينة ترفض التّحررّ، وقلب نازف مجروح ينتظر آخر نبضاته،أفاقت على مواء قطّتها تتشبّث بأذيال قميص نومها تطلب حقّها في الحياة!!!
بنبض:د.الشّاعرة حياة بربوش 

