بقلم . عبدالحميد نقريش :
في لحظة لم تتجاوز الدقائق، تحوّل الشاب “شهاب”، الذي لا يعرفه كثيرون قبل الواقعة، إلى رمز لصراع يومي تعيشه شريحة ضخمة من شباب مصر. مشهد التوك توك الذي غصّت به مواقع التواصل، لم يكن مجرد خلاف في الشارع، بل صورة مكثفة لعجز وألم وضغوط لا تحتمل، تجسّدت في رد فعل انفجاري لشاب في مقتبل عمره.
من هو شهاب؟
هو شاب كغيره من الآلاف، اختار أن يعمل بكرامة على توك توك، وسيلة أصبحت وسيلة نجاة للكثير من أبناء الطبقة الكادحة. لا يحمل امتيازات ولا دعمًا، بل يحمل في قلبه طموحًا بسيطًا بالحياة، وأملًا ألا يتحول يومه إلى صراع مستمر مع الناس والظروف.
بحسب الفيديو المتداول، تعرّض شهاب لموقف مع صاحب سيارة — رجل يبدو من طبقة اجتماعية مختلفة، يتحدث بلغة استفزازية تحمل في طياتها استعلاءً وسخرية. الموقف أخرج شهاب عن شعوره، ودفعه إلى سلوك غاضب، لا يمكن تبريره، لكنه يمكن فهمه. هنا لا ندافع عن العنف، بل نحاول أن نفهم لماذا يصل الشاب إلى هذا الحد من الغضب والانفجار النفسي.
المعادلة الصعبة: كرامة الشاب و”سُلطة” الآخر
من يراقب الموقف بإنصاف، يرى شابين من مجتمع واحد، لكنهما يقفان على طرفي نقيض من التجربة المعيشية. أحدهما يقود سيارة خاصة ويتحدث بثقة وسخرية، والآخر يقود توك توك ويقاتل من أجل لقمة العيش. هذا الاستفزاز – سواء كان مقصودًا أو عفويًا – هو ما أشعل الفتيل. كلمات التهكم والإشارة إلى الطبقة أو المهنة أو الشكل، كلها أشبه بصب البنزين على نار مشتعلة سلفًا.
هل شهاب مخطئ؟ نعم. هل هو مجرم؟ لا.
ما فعله شهاب خطأ بلا شك، وردة فعله كانت عنيفة ومندفعة، لكن يجب أن ننظر لما خلف المشهد. هو ليس “بلطجيًا”، كما يصفه البعض، بل شاب فقد السيطرة على مشاعره تحت وطأة الإهانة والضغوط. والمجتمع لا يعالج هذه المواقف بالإدانة السطحية فقط، بل بفهم الجذور التي أوصلت الشباب لهذا الهامش العصبي والنفسي.
ليس من العدل أن يتحول سائقو التوك توك إلى كبش فداء دائم لأي مشهد عنف أو فوضى. التوك توك ليس مشكلة، بل نتيجة لمشكلة أكبر: انسداد الأفق، البطالة، غياب الدعم المؤسسي، والعجز عن توفير بدائل للشباب. من يقود توك توك لم يختر ذلك ترفًا، بل اضطرارًا. ومن يسخر منهم، إنما يسخر من واقع نعيشة لا من أشخاصها.
كيف يجب أن نرد على مثل هذه الوقائع؟
1. العدل، لا الانحياز: لا تنصف صاحب السيارة لمجرد أنه يبدو أكثر “احترامًا”، ولا تدين شهاب لأنه فقير وغاضب. افهم الحدث ككل.
2. دور الدولة والمجتمع: يجب أن تتدخل الدولة في هذه الوقائع ليس فقط بحسم القانون، بل أيضًا بدعم نفسي واجتماعي للشباب المطحون.
3. احترام الكرامة الإنسانية: لكل إنسان كرامة، سواء أكان على كرسي قيادة توك توك أو سيارة فارهة. من يزرع الاستفزاز، يحصد الانفجار.
4. ردود الفعل لا تُقاس بالهدوء فقط: بعض الغضب لا يأتي من فراغ، وبعض ردود الفعل “غير عقلانية” قد تكون نتيجة تراكمات لأعوام من الظلم.
شهاب ليس حالة فردية، بل هو تمثيل لجيل يعيش في منطقة رمادية بين الأمل واليأس. أما صاحب السيارة، فقد يكون هو الآخر ضحية لمنظومة تشجّع على الاستعلاء الطبقي والصورة النمطية. بين الطرفين، نحتاج أن نعيد بناء جسور الرحمة، والفهم، والانتماء. وإذا لم نفعل، فسيكون القادم أكثر عنفًا، وأكثر بؤسًا… وسنظل نتابع مشاهد كهذه في صمت، دون أن نعالج أصل المرض

