بقلم الإعلامي والأديب الكاتب الكبير
الدكتور / عبد الرحمن رمضان أمين
الخبير التربوي الدولي
واستشاري النفسي والأسري وتعديل السلوك
والمحاضر بالجامعة الإسلامية بأمريكا
في السادس من أكتوبر عام 1973، أشرقت شمس جديدة على أرض مصر والعروبة، شمس النصر التي بدّدت ظلام الهزيمة، وأعادت للأمة وجهها المشرق، وعزّها المفقود.
ذلك اليوم لم يكن يوماً عادياً في سجل التاريخ، بل كان يوماً كتبه الأبطال بدمائهم الزكية على رمال سيناء، فسطور المجد لا تُكتب بالحبر، وإنما تُروى بدماء الشجعان..
حين دقت ساعة الصفر، اهتزّت الأرض تحت أقدام جنودنا البواسل، وارتجّت السماء بصيحات “الله أكبر”، فانطلقت الطائرات المصرية تخترق خطوط العدو، وتُمهد لعبور أسطوري خلّده التاريخ.
في ساعات معدودة، تحطّم “خط بارليف” الذي طالما زعمت إسرائيل أنه الحصن الذي لا يُقهر، وسقطت معه غرور القوة الزائفة أمام إرادة شعب آمن أن أرضه لا تُسترد إلا بالتضحية والفداء.
لم يكن نصر أكتوبر صدفةً، ولا معجزةً من فراغ، بل كان ثمرة إيمانٍ عميق، وتخطيطٍ علمي دقيق، وصبرٍ طويل على طريق الاستعداد والتحدي. توحدت فيه الإرادة المصرية مع نبض الأمة العربية، وتلاحمت فيه دماء المصري والعربي على جبهة واحدة، ليثبت التاريخ أن العروبة ما زالت تنبض في القلوب، وأن الكرامة لا تُشترى، بل تُنتزع انتزاعاً من بين أنياب العدو.
أعاد أكتوبر إلى المصريين ثقتهم بأنفسهم، وإلى العرب إيمانهم بوحدتهم، وإلى العالم احترامه لإرادة هذه الأمة. لقد كان النصر درساً في الإصرار، وملحمةً في البطولة، ومشهداً من مشاهد الكبرياء الإنساني حين يتجلى في أسمى صوره.
وما زال السادس من أكتوبر يطلّ علينا كل عام كعيدٍ وطني خالد، يذكّرنا بأن الوطن لا يُصان إلا بالعرق والدم، وأن راية المجد لا تُرفع إلا على سواعد الرجال. ففي كل بيت شهيد، وفي كل قلب مصري، تسكن ذكرى أولئك الذين عبروا، وقاتلوا، واستشهدوا ليظل وجه الوطن ناصعاً كالشمس في عليائها.
إن نصر أكتوبر ليس مجرد ذكرى نحتفي بها، بل هو روح خالدة تسري في وجدان كل مصري وعربي، تذكّرنا بأن الأوطان تُبنى بالعزيمة، وتصان بالتضحية، وتزدهر بالإخلاص والعمل. ففي السادس من أكتوبر تجلت عبقرية الإنسان المصري حين اجتمع فيه الإيمان والعلم، والشجاعة والعقل، فحقق المعجزة وصنع التاريخ.
في كل عامٍ تعود ذكرى نصر أكتوبر المجيد، حاملةً عبق التاريخ وصوت المجد، فهو ذكرى خالدة في وجدان الوطن، عام العزة والكرامة، عامٌ سطّر فيه المصريون بدمائهم ملحمةً لا تُنسى، وانتفضت فيه الأمة من بين ركام الهزيمة إلى قمم النصر والعزة.
ففي كل نبضة من قلبي، أجد صدى صيحات الجنود على ضفاف القناة، وفي كل لحظة من عمري، أستشعر دفءَ الوطن وهو ينهض من تحت الرماد ليعلن أنه لا ينام ولا يُهزم.
ذكرى نصر أكتوبر علّمني أن الحياة لا تُقاس بعدد السنين، بل بقوة الإرادة وعظمة الموقف. علّمني أكتوبر أن المجد لا يُمنح، بل يُنتزع بالصبر والإيمان. ومن رحم تلك الأيام العظام، تشبّ في نفسي جذوة الكبرياء، وأشعر أنه يوم مصر أكتوبر هو يوم ميلادي فهو ليس مجرد بداية حياة، بل وعدٌ بالاستمرار على درب المجد، درب أولئك الذين رفعوا راية الوطن عاليةً رغم العواصف.
كلما أشرقت شمس السادس من أكتوبر، أتذكر أن ميلادي ارتبط بذاكرة وطنٍ لا يعرف الانكسار، وأن روحي خُلقت في زمنٍ علّم الدنيا معنى الكرامة المصرية، ومعنى أن يكون للحق سلاح، وللأرض صوت، وللشعب إرادة لا تُقهر.
في ذكرى نصر أكتوبر، أجد نفسي مدين لوطني بالفخر، ولأبطاله بالخلود.
ولعل أجمل هديةٍ أقدّمها لنفسي في هذا اليوم، أن أظلّ وفيّا لتلك القيم التي وُلدت معها: العزة، الكرامة، والإيمان بأن النصر لا يُصنع إلا باليقين والعمل.
فلنظل أوفياء لتلك الروح، نغرسها في قلوب أبنائنا جيلاً بعد جيل، ليعرفوا أن الكرامة لا تُوهب، وأن مجد مصر كُتب بالدم والتضحيات.
سلامٌ على من عبروا القناة، وسلامٌ على من زرعوا النصر بدمائهم، وسلامٌ على مصر التي لا تنحني إلا لله… نصر أكتوبر سيبقى خالداً، ما بقيت الأرض والسماء
عاشت مصر حرةً أبية، وعاش جيشها درعها وسيفها، وعاش أكتوبر رمزاً للفخر والعزة والخلود.

