لم تكن سلمى تعلم أن حياتها ستُقسَم يومًا إلى قمتين:
قمة عالية تشعر فيها أنها قادرة على احتضان العالم كله،
وقاع منخفض بالكاد تستطيع فيه احتضان نفسها.
في أيام، كانت تستيقظ قبل شروق الشمس، تخطط لعشرات الأفكار، تتحدث بسرعة، تضحك بصوت عالٍ، تشعر بطاقة لا تنتهي.
تُقنع نفسها أنها لا تحتاج للنوم، ولا للطعام، ولا حتى للراحة.
كانت تقول: “أنا تمام… يمكن أحسن من تمام!”
لكن بعد أسابيع، وربما أيام،
كان المشهد ينقلب تمامًا.
تستيقظ سلمى وهي تشعر بثقل غريب في صدرها،
السرير يصبح سجنًا،
والأفكار تتحول إلى جلد ذات قاسٍ: “أنا فاشلة”
“ليه الناس كلها بتتقدم وأنا واقفة مكاني؟”
“إزاي كنت فرحانة بالشكل ده؟”
هنا لم يكن الاكتئاب مجرد حزن،
بل فقدان شغف، وانسحاب من الحياة، وصمت طويل.
ما هو اضطراب ثنائي القطب؟
اضطراب ثنائي القطب ليس “تقلب مزاج”،
ولا “دلع”،
ولا “شخصية متقلبة”.
هو اضطراب نفسي يتميز بتناوب فترات من:
نوبات هوس أو هوس خفيف: طاقة عالية، ثقة مفرطة، اندفاع، قلة نوم، قرارات غير محسوبة.
نوبات اكتئاب: حزن عميق، فقدان المتعة، تعب شديد، أفكار سلبية، وأحيانًا أفكار إيذاء النفس.
المشكلة ليست في المشاعر نفسها،
بل في حدّتها وخروجها عن السيطرة.
مواقف من الحياة… لا يراها الآخرون
في إحدى نوبات الهوس،
أنفقت سلمى جزءًا كبيرًا من مدخراتها على مشروع لم يُدرَس،
كانت مقتنعة أنه سينجح خلال أيام.
وفي نوبة اكتئاب لاحقة،
لم تستطع الرد على هاتف أمها،
ولا الذهاب إلى عملها،
ولا حتى شرح ما تشعر به.
المحيطون بها كانوا يقولون: “إنتي مالك؟”
“كنتي كويسة من شوية!”
“شدي حيلك!”
لكن أحدًا لم يرَ المعركة الحقيقية داخلها.
التشخيص… نقطة التحول
عندما جلست سلمى أمام الطبيب النفسي،
لم تُواجَه بالحكم،
بل بالفهم.
لأول مرة،
سمعت اسمًا لما تمر به.
لأول مرة،
فهمت أن ما يحدث ليس ضعفًا، ولا عيبًا، ولا قلة إيمان.
العلاج لم يكن سهلًا،
والالتزام به لم يكن دائمًا،
لكن المعرفة غيّرت كل شيء.
هل يمكن التعايش مع ثنائي القطب؟
نعم.
مع العلاج الدوائي المناسب،
والعلاج النفسي،
والدعم الأسري،
يمكن لمريض ثنائي القطب أن يعيش حياة مستقرة، منتجة، وذات معنى.
المرض لا يختصر الإنسان،
ولا يلغي قيمته،
ولا يمنعه من الحب أو النجاح.
رسالة أخيرة
اضطراب ثنائي القطب لا يحتاج إلى خوف،
بل إلى وعي.
والمريض لا يحتاج إلى نصائح جاهزة،
بل إلى إنصات حقيقي.
ربما لا نرى القمم والقيعان التي يمر بها،
لكن أقل ما يمكننا فعله
أن نمد له يد الفهم… لا يد الحكم.

