بقلم: د. تامر عبد القادر عمار
رجل من طراز خاص، ترك أثرًا في كل موقع تولاه، وظلّ نموذجًا يحتذى به في الالتزام والانضباط المهني ، وفي سطور التاريخ المهني، لا تُخلَّد الأسماء إلا إذا اقترنت بالكفاءة والنزاهة والتاريخ الممتد على أرض الواقع. وهكذا يُذكر اسم اللواء محمد عبد الحميد عمار.
ستون عامًا من العمل والولاء واليقظة التامة.
ستون عامًا لم تكن رفاهية وقت، ولا مرورًا وظيفيًا عابرًا، بل كانت سنوات مسؤولية حقيقية، تحمل فيها الرجل ما لا يجرؤ عليه كثيرون، وتقدّم لمؤسسته ووطنه وهو يدرك أن الأمن لا يُبنى بالكلمات، بل بالمواقف.
اللواء محمد عبد الحميد عمار لم يكن قيادياً في جهاز الأمن. بل كان صانع منظومات انضباطية، ومهندس استقرار في مواقع عديدة. عُرف عنه الالتزام الصارم، لكنه لم يكن جامدًا. كان واضحًا في قراراته، عادلًا في تطبيقه، صارمًا في مواضع الحزم، إنسانيًا عند الضرورة. وهذه المعادلة التي يتعثر فيها كثيرون، أتقنها هو بإتقان رجل عاش تفاصيل المهنة، لا رفاهية المنصب.
عمل اللواء عمار في ظروف مختلفة، وفي بيئات أمنية متباينة، لكنه حافظ على نهج ثابت: العمل وفق القانون، والحفاظ على هيبة الدولة، دون أن يفقد إنسانيته في التعامل مع الناس. وهذا التوازن الذي نجح في تحقيقه ليس بالأمر الهيّن في مؤسسة أمنية تتطلب الحزم واليقظة في آنٍ واحد.
في مسيرته، لم يبحث عن أضواء إعلامية، ولم يسعَ لمجدٍ شخصي. كان يؤمن أن قيمة الرجل تظهر في قدرة مرؤوسيه على الوقوف بثبات بعد غيابه، وفي بقاء النظم التي أسسها فاعلة حتى بعد أن يترك الموقع.
لم تكن المواقع التي تولاها سهلة، ولم تكن القرارات التي اتخذها خالية من التحديات. لكنه كان دائمًا حاضر الذهن، متّزنًا في رؤيته، لا يندفع خلف الضغوط، ولا يتراجع عند الحسم. رأى في عمله مهمة وطنية، لا ترقية وظيفية. وربما لهذا السبب ظلّ اسمه مذكورًا في المجالس المهنية، باحترامٍ لا يصطنع، وتقديرٍ لا يُشترى.
اليوم، حين نكتب عن اللواء محمد عبد الحميد عمار، فإننا لا نكتب عن سيرة رجل فقط، بل عن تجربة ممتدة، يجب أن تُدرّس وتُوثّق، لأنها ببساطة تنتمي إلى مدرسة الانضباط الوطني، التي لم تُبنَ بالكلام، بل بسنوات من العرق والصبر والقرار في الوقت الأصعب.
هو نموذج لرجل الدولة الذي لم يساوم على المبادئ، ولم يغادر موقعه إلا بعد أن ترك خلفه أثرًا يصعب تجاهله
تحية احترام وتقدير، لرجلٍ قضى عمره في خدمة وطنه، دون أن يطلب شيئًا، سوى أن يرى مؤسسته أكثر قوة، ومجتمعه أكثر أمنًا، وسيرته نظيفة كما بدأها
د. تامر عبد القادر عمار
كاتب صحفي
خبير التسويق والتخطيط الاستراتيجي
مهتم بقضايات التنمية والعلاقات الانسانية

