تحت وطأة ألمٍ ملتهبٍ يشتعل داخلي، آثرتُ العزلة اختيارًا قاسيًا فرضته لحماية ما تبقّى لديّ من تماسك. أغلقتُ مدخل مسكني بإحكام، ليس خوفًا من الخارج بقدر رغبتي العميقة في إخفاء ما يعصف بروحي. هناك، خلف الجدران الصامتة، حاولتُ أن أبدو ثابتًا، متماسك الملامح، متقنًا لعبة الإخفاء التي يتقنها المتعبون بعد طول معاناة.
كان الشعور بالانكسار يتسرّب إليّ جرّاء تراكم الخيبات، فأصبحتُ أمارس حيلة الصبر القسري، أُقنع ذاتي بالهدوء فيما الاضطراب يعيث فسادًا داخلي. حاولتُ احتواء انفعالي قدر المستطاع، خشية أن يلمح الآخرون حقيقة حالتي، إذ إن نظرات الفضول غالبًا تكشف المستور، مهما بلغت براعة التظاهر.
تعلّمتُ كيف أشيح بوجهي سريعًا حين يقترب أحد، مستبدلًا الصدق بابتسامة باهتة، محاولًا رسم صورة مغايرة للحقيقة. لم يكن ذلك نفاقًا، بل دفاعًا مشروعًا عن هشاشة لا تحتمل مزيدًا من الأسئلة. كانت التجربة قاسية، إلا أنها علّمتني أن الإنسان أحيانًا يضطر لحمل أوجاعه سرًّا، لأن الإفصاح قد يزيد ثقل الحمل.
داخل هذا الصمت المفروض، كانت المشاعر المضطربة تبحث عن متنفس. السكون الليلي صار رفيقي الدائم، أراقب السقف لساعات طويلة، أفكاري متشابكة، قلبي مثقل، وجسدي عاجز عن الاستسلام للراحة. السهر طال، والأرق تمدّد، كأن النوم قرر مقاطعتي احترامًا لحزني العميق.
حاولتُ مرارًا استجماع قواي، إقناع نفسي بأن الغد قد يحمل لطفًا خفيًا، إلا أن الإحساس بالوحدة كان يسبق أي أمل. كنتُ أعيش صراعًا صامتًا، معركة بلا شهود، أواجه خلالها نفسي فقط. لم أرغب في شفقة أحد، ولا في مواساة عابرة، بل في فهم صادق يعترف بأن بعض الآلام لا تُروى.
مع مرور الأيام، أدركتُ أن الكتمان سلاح ذو حدّين. صحيح أنه يحميني أحيانًا، لكنه يستنزفني ببطء. تعلّمتُ أيضًا أن القوة الحقيقية لا تكمن دائمًا في الإخفاء، بل في اختيار اللحظة المناسبة للبوح. وحتى يحين ذلك الوقت، سأبقى أرتّب فوضاي الداخلية بصبر، مؤمنًا بأن الضوء، مهما تأخّر، لا بد أن يجد طريقه إليّ.

