في المؤسسات الحية، تُستقبل الكفاءة كما تُستقبل البذرة في أرضٍ خصبة؛ تُروى بالثقة، وتُحاط بالتقدير، فتتحول إلى شجرةٍ مثمرة تعود بالنفع على الجميع. فالمؤسسات القوية لا تخشى الكفاءات، بل تبحث عنها، وتفتح لها المجال لتفكر وتبتكر وتُضيف. وهكذا تنشأ دائرة فضيلة واضحة: كلما ازداد حضور الكفاءة، ازدادت المؤسسة قوةً وفاعلية.
لكن الصورة تنقلب تمامًا داخل المؤسسات الضعيفة.
هناك، لا تسود الأفكار الحية، بل تنتشر «الفكرة الميتة»؛ فكرة لا تنتج معرفة، ولا تفتح أفقًا، ولا تسمح بالتجديد. فكرة تكتفي بتكرار نفسها حتى تتحول إلى قاعدة صامتة تحكم كل شيء.
في مثل هذه البيئات، لا تُحتضن الكفاءة، بل تُحاصَر. ولا يُكافأ الاجتهاد، بل يُنظر إليه بريبة، كأنه تهديد لنظامٍ اعتاد السكون.
ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته الكفاءة المكبوتة:
طاقات علمية ومهنية حقيقية، لكنها معطلة.
عقول قادرة على الإبداع، لكنها محاصرة بجدران البيروقراطية أو بثقافة الخوف من التميز.
ومع الوقت، يجد الموظف الكفؤ نفسه أمام خيارين قاسيين:
إما أن يرحل إلى بيئة تقدّر علمه وقدرته،
وإما أن يتكيف مع الرداءة.
وهنا تبدأ المأساة الحقيقية.
فالتكيف مع الرداءة لا يقتل الطموح فقط، بل يغيّر سلوك الإنسان ذاته. تتحول الطاقة إلى كسل، ويصبح الحد الأدنى من الأداء هو القاعدة المقبولة. ويبدأ العقل المبدع في الانسحاب تدريجيًا من معركة لا يرى فيها أملًا.
عندها تظهر تلك الحكمة الشعبية الموجعة:
«استغبى تسلم».
وهي عبارة تختصر مأزقًا عميقًا في ثقافة بعض المؤسسات؛ إذ يصبح إظهار الكفاءة مخاطرة، بينما يصبح إخفاؤها وسيلة للبقاء.
في هذا المناخ، لا تعود الرداءة مجرد حالة عابرة، بل تتحول إلى نظام غير مكتوب. نظام يحمي نفسه بنفسه، ويستبعد كل ما قد يفضح ضعفه.
وهكذا تغادر الكفاءات الحقيقية — إما جسديًا عبر الهجرة، أو معنويًا عبر الانسحاب الداخلي — بينما يبقى المكان أسير دائرة مفرغة من الأداء الضعيف.
ولذلك فإن قضية الكفاءة ليست قضية أفراد فقط، بل قضية ثقافة مؤسسية كاملة.
فحين تسود الأفكار الحية، تصبح الكفاءة قيمة طبيعية ومطلوبة.
أما حين تسود الأفكار الميتة، فإن الكفاءة تبدو غريبة… بل مزعجة.
وفي النهاية، لا تنتصر الرداءة لأنها أفضل،
بل لأنها تجد البيئة التي تسمح لها بالبقاء.
أما الكفاءة، فهي كالماء:
إن لم تجد مجراها الطبيعي…
ستبحث عنه في مكانٍ آخر.
تحياتي
نجوى نصر الدين

