في كل قضية جنائية، لا تكون البداية هي النهاية، ولا يعني الاتهام بالضرورة ثبوت الإدانة، بل تظل الكلمة الفصل دائمًا لما تستقر عليه المحكمة من يقين قضائي مبني على الأدلة والوقائع.
في القضية رقم 6347 لسنة 2026 جنح مدينة نصر ثالث، وُجهت الاتهامات إلى ستة متهمين في واقعة وُصفت بأنها مشاجرة وبلطجة واستعراض قوة وإحراز سلاح أبيض، وهي من القضايا التي تحمل في ظاهرها طابعًا جنائيًا بالغ الخطورة.
وتتلخص وقائع الدعوى في حدوث اعتداء بين أطراف الواقعة أسفر عن إصابة اثنين من المجني عليهم بإصابات بالغة، تم نقلهم على إثرها إلى المستشفى لتلقي العلاج. وقد تباينت الروايات حول طبيعة الواقعة ودور كل طرف فيها، وهو ما ألقى بظلاله على التكييف القانوني لها منذ بداية التحقيقات.
إلا أن أوراق الدعوى كشفت عن تفاصيل دقيقة كان لها أثر بالغ في تغيير مسار الاتهام، حيث تبين أن بعض الأشخاص الذين أُدرجوا ضمن الاتهام كان دورهم مرتبطًا بالتواجد عقب الواقعة ومحاولة إنقاذ المصابين ونقلهم إلى المستشفى، وليس الاشتراك في الاعتداء محل الاتهام.
وقد تولت المستشارة هاجر محمد حسني الدفاع عن ثلاثة من المتهمين، وقدمت دفوعها أمام المحكمة قائمة على تفنيد الاتهام وبيان عدم توافر أركان الاشتراك في الجريمة في حق موكليها، مع التأكيد على اختلاف الأدوار وتباينها بين أطراف الواقعة، وما يستلزمه ذلك من دقة في التكييف القانوني.
وبعد تداول الدعوى واطلاع المحكمة على أوراقها وسماع ما قُدم فيها من دفوع، انتهت إلى القضاء ببراءة المتهمين الثلاثة الذين تولى الدفاع عنهم، بينما قضت بمعاقبة متهمين آخرين بالحبس لمدة سنتين.
وتؤكد هذه القضية في جوهرها أن العدالة الجنائية لا تُبنى على ظاهر الاتهام، وإنما على يقين المحكمة المستمد من الأدلة الصحيحة، وأن دور الدفاع لا يقتصر على الحضور الشكلي، بل يمتد إلى كشف الحقيقة وإعادة قراءة الوقائع في ضوء صحيح القانون.
كما تسلط الضوء على أهمية الوعي القانوني لدى المواطنين عند التعامل مع المحاضر والإجراءات، وضرورة التعامل بحذر ودقة في مثل هذه المواقف، لما قد يترتب عليها من آثار قانونية جسيمة.
وفي النهاية، تبقى العدالة ميزانًا لا يميل إلا حيث يثبت اليقين.

