من رواية نبي الظلام.
،؛، غالبًا ما يصبح الإلتزام؛ سجنًا، والسجن إما يتقمّص شكل العذاب أو الحرية ،؛،
إبليس؛ هو المخلوق الوحيد الذي لا يتمنى الموت، مهما تكَـبَّرَت معاناته، ولامست سقف الأرق والخداع، لم يجازيه الإله بالموت؛ إنما قيّده في وسَطٍ ميت، ليخبره؛ أن إزهاق الروح لم يكن أبدًا عقاب مثالي، بل يتحقّق ذلك أثناء وقوع أحداث؛ تستهوي التدخّل في حضور فقدان القدرة على التصرّف بأيّ شيء، معنى جدير باِسم التقيّد وآداء الشلل.
تصفّدت قواه وخرَّت هبوطًا، لدرجة الذلّ المقطوف من أغصان الانتحار الذي ألقى فيه شعوب الجنّ. يستدير تفكيره دون أن يحصل على جرعة توازن، فيتلف عقب وقوفه، وينزعج من راحته، ويلاحظ أن حركاته، لا تتناسق مع أوامر عقله.
لا روح له؛ كأنها غابت في عشيّة رسم وتسطير “كتاب الرماد”، ولا جسد له يوافق على تحمّل ضياع مخفي.
لا يعرف ماذا يحصل معه، كما أنه حقا؛ لم يأبه لما يحصل معه، فما أمامه الآن؛ قد أنساه خططه ولقّن خبثه فكرة التثبيط، سحقا لانجذابه.
لقد وقع في حبّ الجنّة؛ التي سلبت منه عقابه، لدهشةٍ من الزمكان، خطوة تدفعه للمتابعة وخطوة تسحبه للرجوع، انحصاره بين ذهاب تحت توقيع نزهة، بعيون مفتونة وبين إيّابه الجشِع، لتفحّص كل أعجوبة يمرّ عليها والتي مهما وقف عندها؛ لا يتداعى ذهوله للشبع.
أتحفه مزار الخلد وأغرق جميع سبله نحو النجاة، لا يمكن نكران؛ أن الجمال بلا حدود، يحتمّل التحوّل إلى تيه بلا حدود.
وهكذا؛ أصيب “إبليس” بالرغبة في امتلاك القوّة الكاملة؛ للحيازة على صكّ ملكية الجنّة، نعم؛ اعتمد على كلّ هذه الجرأة، للتظاهر بمظهر، يليق بسكان أرض معلّقة بين ماء وعجائبية، يحفّها من كل جهة مدد العلم الخالص وحفاوة الكرم المتدفّق، من ينابيع النظام والنضج الحقيقي.
ينسلخ من حدوده ويبعثر أفكارَه بأفكارِه ويتساءل؛ من أين يأتي هذا الضوء الدقيق دون تسخير الشمس ولا القمر!!
ما هذا المذاق الآمن؛ الذي يغْني عن الإلتهام؟!
وما هذه العطور المعتّقة، التي تشيّد حضارات في الوعي والسلوك؟!
أصوات بعيدة عن نتاج الاحتكاك، ممتزجة بحنان وعاطفة الصمت، لا وصف يضاهي أناقة هذا المقرّ الرسمي للأفئدة؛ حيث يعيش الحوار بأدب، ويستريح الأبد وتتفاعل الأزمنة والذكريات، ويتناقل العدل سلالته بين المراتب.
“إبليس” الذي لم يعد يعير إهتماما لقيده، حرمته الموجودات من التفسير وأغدقه إلحاح طمعه، بالتدبير لخطّة؛ تُرجِع منه قائدا على كلّ شيء: بين جنان وبنيان، ثراء وطراوة، عذوبة واِنتماء، لكنه حتى اللحظة؛ ما زال يفتقر لمعرفة أصل الإرهاق الذي يحدث معه، تعبٌ شديد حاق بحركته وبتصوراته، وعطّل جهاز خبثه؛ الذي يعدّ المصدر الوحيد لحيله السخيفة.
ثم خلق الإله نُصب أنظاره السيّد الخليفة، بجينات؛ مشبّعة بالعلم، النبل والأمانة، لتدبّر الاِستخلاف والتعمير، وترك بصمة العدالة والتصحيح، ثم نفخ فيه من روحه المقدّسة، وأنعم عليه بالعقل، فدعى الملائكة؛ ليسجدوا له اِحتراما وتقديرا وتفضيلا، من عند خالقه.
توالى غيض إبليس في كلّ لحظة مرّت على وجود السيّد الخليفة في الجنّة، وبقرب الإله الذي علّمه الأسماء وأطلعه على أسرار العلم والعمل، وكشف له تقنيات التشييد والبناء، الهندسة والوقاية، العلاج اِستعدادًا لنزوله إلى الأرض، مما ولّد امتعاض وحسد ورغبة “المتهوّر” في الانتقاد دون اِستطاعةٍ منه، للمس تحرّكات آدم وحواء، شعوره بالضيق والكِبر، الغيرة والحسد، يفوق بشدّة؛ ما شعر به تجاه قوم الجنّ؛ فعزم تخليص نفسه من قيود الجنّة؛ لأجل النيل من براءة ذريّة آدم؛ التي توقّع ضعفها وسهولة انقيادها للجزء الأخير من حيلته المشؤومة.

