بقلم: د. رشا ربيع الجزار
باحث أكاديمي في التربية البيئية – كلية التربية – جامعة الفيوم
تشهد مصر، شأنها شأن بقية دول العالم، تأثيرات متزايدة للتغيرات المناخية، حيث لم تعد الظاهرة مجرد قضية بيئية، بل تحولت إلى تحدٍ اقتصادي واجتماعي وأمني في آن واحد. ومع تصاعد درجات الحرارة وارتفاع مستوى سطح البحر، باتت مصر أمام معركة حقيقية لحماية مواردها الطبيعية وسكانها.
دلتا النيل تحت التهديد
تُعتبر دلتا النيل واحدة من أكثر المناطق عرضة لمخاطر ارتفاع منسوب مياه البحر المتوسط، حيث يُتوقع أن يتأثر ملايين السكان في المناطق الساحلية بالغرق أو فقدان الأراضي الزراعية الخصبة. الدراسات الأخيرة تشير إلى أن ارتفاع البحر بمقدار نصف متر فقط قد يؤدي إلى فقدان ما يقارب 15% من الأراضي الزراعية في شمال الدلتا.
موجات حرّ غير مسبوقة
شهدت مصر خلال الأعوام الأخيرة موجات حر طويلة وقاسية، تسببت في ضغوط على شبكة الكهرباء وزيادة استهلاك المياه. وفق تقارير هيئة الأرصاد الجوية، ارتفع متوسط درجات الحرارة في مصر بما يقارب 0.4 درجة مئوية كل عقد منذ ثمانينيات القرن الماضي، وهو ما يزيد من احتمالات الجفاف ونقص الإنتاج الزراعي.
ندرة المياه
مع اعتماد مصر على نهر النيل كمصدر رئيسي للمياه، فإن أي تغير في معدلات سقوط الأمطار على الهضبة الإثيوبية أو زيادة معدلات التبخر بسبب الحرارة المرتفعة يشكل خطرًا مباشرًا على الأمن المائي. وتشير التوقعات إلى أن نصيب الفرد من المياه في مصر قد ينخفض إلى أقل من 500 متر مكعب سنويًا بحلول 2030، وهو ما يضعها تحت خط الفقر المائي الحاد.
آثار صحية واجتماعية
التغير المناخي لا يقتصر على البيئة فقط؛ فالموجات الحارة تزيد من انتشار أمراض الجهاز التنفسي والجلدي، كما أن الفيضانات المفاجئة أو العواصف الشديدة قد تؤدي إلى خسائر في الأرواح والممتلكات. من الناحية الاجتماعية، يهدد تغير المناخ بزيادة معدلات البطالة والهجرة الداخلية، خاصة بين المزارعين في الدلتا والصعيد.
جهود مصرية لمواجهة التغير المناخي
استضافة مصر لمؤتمر COP27 في شرم الشيخ عام 2022 عزز مكانتها كمنبر عالمي لمناقشة قضايا المناخ.
تنفيذ مشروعات للطاقة المتجددة مثل مجمع بنبان للطاقة الشمسية بأسوان، الذي يُعد من أكبر المشروعات في العالم.
تبني خطط للتكيف مع ارتفاع منسوب البحر عبر إنشاء حواجز أمواج وتدعيم السواحل الشمالية.
التوسع في الزراعة الذكية وتطوير نظم الري الحديث لتقليل الهدر في المياه.
المطلوب في المرحلة المقبلة
على الرغم من هذه الجهود، تبقى الحاجة ملحّة لتسريع وتيرة التكيف مع الأزمة. المطلوب هو:
رفع الوعي المجتمعي بخطورة التغير المناخي ودور الفرد في ترشيد الموارد.
زيادة الاستثمار في البحث العلمي لتطوير حلول مبتكرة محلية.
تعزيز التعاون الإقليمي والدولي لضمان تمويل عادل للمشروعات الخضراء في مصر.
الخلاصة:
التغير المناخي في مصر ليس قضية مستقبلية، بل واقع نعيشه اليوم. حماية دلتا النيل، مواجهة ندرة المياه، والتكيف مع موجات الحر ليست خيارات، بل ضرورة وجودية لضمان حياة الأجيال القادمة.

