للكاتب والمؤرخ العسكري
د. اجمذ علي عطية الله
الفصل الثانى
أبطال المجموعة-39 قتال
9- العميد محسن طه
شاب مصرى نشأ فى أسرة مصرية ميسورة الحال من مواليد مدينة المنصورة بمحافظة الدقهلية شمال شرق دلتا النيل فى الخامس عشر من مارس عام 1946 . ألحقه والده بمدرسة الليسية الفرنسية والتى كان معظم تلاميذها من الأجانب وإدارتها فرنسية خلال مرحلتى التعليم الابتدائية والاعدادية حتى حدث العدوان الثلاثى على مصر فقام عبد الناصر بتمصير تلك المدارس فأكمل محسن تعليمه بمدرسة المنصورة الثانوية وحصل منها على شهادة الثانوية العامة عام 1964 فتقدم للألتحاق بالكلية الحربية من أجل هدف واحد وهو الالتحاق بسلاح الصاعقة ذو الأفرول المموه المميز.
ولسؤ حظ الشاب العاثر لم يتم قبوله فى المرة الأولى بحلم حياته الكلية الحربية وخرج من كشف الهيئة لعيب بسيط فى نطق أحد حروف الأبجدية ، وعاد حزيناً منكسراً إلى مدينته ، وصادف أن قبله مكتب التنسيق طالباً بكلية الطب البيطرى جامعة القاهرة ، ولكن تشاء الظروف أن تداعبه أمال الألتحاق بالكلية الحربية مرة أخرى عندما يصله تلغراف من الكلية الحربية يطالبونه بسرعة الحضور لأعادة الكشف الطبى عليه مرة أخرى . ويكاد يطير الشاب فرحاً وهو يرجو والده السماح له بالسفر إلى القاهرة لأعادة المحاولة ، وأخيراً نجح فى إقناع والده الذى كان من رأيه أن يقبل الإبن ما قسمه الله له والإستمرار بكلية الطب البيطرى. ولم ينتظر الشاب الملئ بالحماس والثقة فى الله أنه سيساعده فى الوصول إلى ما يتمناه إلى الصباح بل سافر بقطار الصحافة الذى يتحرك بعد منتصف الليل ليصل القاهرة فى الصباح الباكر ويقبل هذه المرة طالباً بالكلية الحربية عام 1964 وظهر تفوقه هناك بسلاح الصاعقة والمظلات ، وكان من أوائل فرقة الصاعقة بالكلية . لذلك فعند تخرجه فى أغسطس من عام 1966 لم يكن من الصعب عليه الألتحاق ضمن تشكيلات سلاح الصاعقة ، وشعر أن الله قد حقق له أمنيته الثانية .
وعمل خلال الفترة السابقة لنكسة يونيو 1967 بسيناء وصدرت الأوامر له بالأنسحاب وعانى مع الجميع مرارة الانسحاب الغير منظم ، غير أن الأمور لم تلبث أن أصبحت تحت السيطرة التامة للقيادة وأخذ تكليفاً بعبور القناة وإستطلاع موقف العدو فى الشرق بالقرب من شمال جزيرة البلاح عند محطة السكة الحديد رقم 3 ، ولأنه كان من أوائل الضباط الذين عبروا للشرق سباحة فقد طلبت منه القيادة تنفيذ بيان بما قام به مع مجموعة الجنود والصف الذين كانوا صاحبوه ، وبالفعل قام بتنفيذ البيان العملى على ترعة الاسماعيلية بالقرب من منطقة إنشاص ، وبالفعل نفذ المطلوب مثلما حدث على الضفة الشرقية للقناة بكفاءة حتى أن المحكمين أعطوه تقدير” إمتيازاً ” .
وبمجرد أن عاد إلى وحدته وجد قائد الوحدة يطلب منه إعداد مهماته والأستعداد للتحرك .. فكان عليه تنفيذ الأوامر بدون تردد وهو فريسة الأفكار ..
وفى تلك الآونة سطع نجم إبراهيم الرفاعى ومجموعته ، وبرزت أمنية الضابط الشاب محسن طه الثالثة وهى أن يكون ضمن مجموعته وأحد معاونيه.
وبالفعل حقق له الله تلك الأمنية بفضل نجاحه فى البيان العملى الذى أداه بمهارة فبعد أن طلب منه قائد وحدته تجهيز مهماته طلب منه التوجه إلى المخابرات الحربية .. وهناك قابل مدير إدارة المخابرات اللواء محمد صادق فى ذلك الوقت وكان يعرفه منذ أن كان كبير معلمى الكلية الحربية الذى بادره قائلاً :
• عندك إستعداد تموت فى سبيل مصر ؟
فأجابه الضابط الشاب بالأيجاب . فأمره بالذهاب مع فصيلته التى يقودها وكان من ضمنها المقاتل مصطفى إبراهيم ( الغضنفر) إلى المقدم إبراهيم الرفاعى ليكون مع رجاله ضمن نواة مجموعة العمليات الخاصة 39- قتال . وبالفعل تم عمل إختبار لهم بمقر المجموعة ، ووقع الأختيار على 12 فرد من فصيلته لينضموا إلى المجموعة.
وتبدأ رحلة الضابط الشاب مع العمليات البطولية للمجموعة 39 قتال وكانت أولى هذه العمليات هى بث ألغام بالجبهة شرق منطقة البحيرات فى 13 فبراير 1969 حيث تم تقسيم أفراد العملية من المجموعة إلى ثلاثة أقسام رأس القسم الأول الرفاعى ، والثانى عالى نصر وكان محسن طه ضمن فريقه وعمل فى المنطقة من شمال موقع كبريت حتى تل سلام ، أما القسم الثالث فكان تحت قيادة عصام الدالى . حيث قاموا بزرع ألغام مضادة للدبابات على المدقات فى مساحة واسعة شرق القناة وأتخذوا أثناء عملهم كل الحيطة والحذر من مراقبة ودوريات العدو .
وفى عملية لسان التمساح الأولى كلف بالأضافة إلى مهاجمة إحدى الدشم تلغيم أحد المدقات المؤدية إلى الموقع فقام بزرع عشرة ألغام تمكنت من تدمير دباباتين للعدو قدمتا للأشتراك فى القتال الدائر ضد الموقع ومنعت مدرعات العدو من التدخل وتقديم العون .
وفى عملية لسان التمساح الثانية كانت للألغام المضادة للدبابات التى قام بزرعها من الشمال إلى الجنوب فى إتجاه الموقع أكبر الأثر فى منع مدرعات العدو من التدخل وبالتالى فى تقليل الخسائر بين رجال المجموعة .
“الإبن البار”
لقب كان يطلقه رجال المجموعة 39 – قتال وقد تتعجب على اللغم فهم عندما يبثونه فى المدقات او الطرق الغير ممهدة كانوا واثقين من أنه سوف يأتى بالخير ضد العدو مهما تأخر موعد إنفجاره فقد تمر عربة أو دبابة بجوار الالغم مرة أو أكثر .. ولكن فى لحظة ما .. فى يوم ما ستمر عليه عجلة العربة أوجنزير المدرعة فينفجر بها , وكان رجال المجموعة لا يزرعون اللغم وحده بل كانوا يخاونه على حد تعبيرهم أى يضعون إلى جواره أخاً له لكى يكون التدمير شديداً ، وكان المقاتل محسن طه ممن تفائل بهم الرفاعى فى زرع الألغام أثناء العمليات فكان يكلف بتلغيم المدقات المؤدية إلى مسرح العمليات بالاضافة إلى دوره فى العملية وذلك لأن ألغامه كانت غالباً ما تصيد مدرعات العدو.
وعن قائده الرفاعى وصفاته التى شاهدها فيه وقد عاصره عن قرب يقول :
أذكر ما شئت من الصفات الطيبة عن الرفاعى فلن توفيه حقه .. كان أخ حميم ، وأب عطوف ، وصديق وفى ، وقمة الاخلاص والتضحية .
ويذكر المقاتل محسن طه أنه شاهد فى الرؤية الشهيد الرفاعى بعد سنوات عديدة من إستشهاده مقبلاً عليه فأخبره محسن بوفاة إبنته الكبرى ( توفت فى حادث) فقال له الرفاعى :
• إنها لم تمت لقد رأيتها هنا معنا .
وأستبشر محسن خيراً أن إبنته شهيدة عند ربها وأن قائده جاء يبشره بذلك .
بعد إستشهاد الرفاعى وحل المجموعة 39 قتال عاد المقاتل محسن طه إلى سلاح الصاعقة كقائد كتيبة ، وبعدها بهيئة التفتيش بالقوات المسلحة حتى أحيل إلى المعاش عام 1989 .
وعن دوره فى العمليات حصل العميد محسن طه على هذه الأوسمة :
• نوط الشجاعة العسكرى من الطبقة الأولى فى 23/10/1969 .
• وسام النجمة العسكرية فى 18/8/1971 .
• نوط الجمهورية من الطبقة الأولى فى 23/10/1969 .
كل التحية والتقدير للعميد محسن طه .
*****
رحمة الله على البطل الكبير الذي فارق دنيانا مند عدة سنوات

