حين يتخلّى الأب عن مسؤوليته قبل أسرته
الأب هو السند، والأمان، والقدوة الأولى في حياة أبنائه. وجوده لا يُقاس فقط بالاسم أو اللقب، بل بالفعل، والاحتواء، وتحمل المسؤولية. لكن المؤلم حقًا أن يتحول هذا الدور العظيم إلى فراغ قاسٍ، حين يختار الأب أن يطلق زوجته، ثم يطلق أبناءه معها، وكأنهم لم يكونوا يومًا جزءًا من قلبه أو حياته.
الطلاق بين الزوجين قد يكون قدرًا لا مفر منه أحيانًا، لكن الطلاق من الأبناء جريمة أخلاقية وإنسانية لا يُغفر لها. فالأب الجاحد لا يكتفي بإنهاء علاقة زوجية، بل يهدم أرواحًا بريئة لا ذنب لها سوى أنها وُلدت محتاجة إلى حبّه ووجوده.
كيف لأب أن ينام هادئًا وأبناؤه يفتقدون الأمان؟
كيف يتجاهل دمعة طفل يسأل: «بابا فين؟»
وكيف يهرب من نفقة، أو كلمة طيبة، أو زيارة، وكأن الأبوة كانت عبئًا مؤقتًا لا عهدًا دائمًا؟
الأب الجاحد يظن أن الطلاق يحرره من المسؤولية، لكنه في الحقيقة يقيّد ضميره إن كان له ضمير. فالأبوة لا تسقط بورقة، ولا تنتهي بحكم محكمة، ولا تُلغى بخلافات شخصية. الأب الحقيقي هو من يبقى حاضرًا رغم الانفصال، يتحمل، يدعم، ويجبر كسر أبنائه ولو على حساب راحته.
أما الأم المطلقة، فهي غالبًا من تدفع الثمن الأكبر؛ تتحمل دورين في وقت واحد، تواجه الحياة وحدها، وتحاول أن تعوض أبناءها عن غياب لم تختَره لهم. تكبر وهي تحمل همّ التربية، وتُربّي في صمت، بينما الأب الجاحد يعيش حياته كأن الماضي لم يكن.
وفي النهاية، سيكبر الأبناء، وسيعرفون الحقيقة. سيعرفون من صمد ومن تخلّى، من ضحّى ومن هرب. وقد يسامحون… لكنهم لن ينسوا. فالجحود لا يُمحى، وغياب الأب يترك ندبة لا يراها إلا من عاشها.
الأبوة مسؤولية قبل أن تكون حقًا، ورسالة قبل أن تكون لقبًا.
ومن يطلق أبناءه، فقد خسر أعظم نعمة وهبه الله إياها… ولو بعد حين.

