بقلم: [د/محمد محسن]
في زحام المدن، وسط وسائل التواصل، وبين جدران البيوت الحديثة، يعيش جيل كامل وهو يشعر بأنه غريب في وطنه، في عائلته، وحتى داخل نفسه……
جيل لا يجد في اسمه ما يعبر عنه، ولا في تاريخه ما يخصه، ولا في الواقع ما يدعوه للبقاء……
نحن أمام أزمة انتماء عميقة، لا تتعلق فقط بالوطن أو المجتمع، بل بالهوية الشخصية ذاتها…….
الانتماء المفقود… شعور لا يعلن في السابق، كان الإنسان ينتمي تلقائيًا إلى قريته أو شارعه اوإلى طائفته أو عشيرتها او إلى مهنته أو عائلته الكبيرة……
اليوم، يعيش كثير من الشباب حياة متنقلة، رقمية، مرنة… لكنها تفتقر للجذر العاطفي يتنقل بين الأعمال، ويبدل أصدقاءه بسهولة، ويعيش في مدن لا يعرف جيرانه فيها، ويشاهد العالم أكثر مما يعيشه……
لكن الإنسان بلا انتماء… هو إنسان معلق في الهواء……..
الهوية التي تذوب في الشاشة والشاشة تمنحنا شعورًا وهميًا بالانتماء…….
أنا جزء من هذا التريند اوأنا من جمهور هذه القناة او
أنا مع هؤلاء الذين يكتبون هذا النوع من المحتوى…..
لكن خلف كل هذه “الانتماءات المؤقتة”، يبقى سؤال مؤلم:
من أنا؟ وما الذي يربطني بهذا العالم إذا انطفأت الشاشة…….
البيوت الحديثة… لكنها باردة حتى داخل البيوت، تراجع الإحساس بالانتماء العائلي كل فرد في غرفة، بشاشة، بلغة رقمية تخصه وحده لا طعام مشترك، لا حديث مشترك، ولا ذاكرة مشتركة……
العائلة تحولت إلى “مشروع سكني”… لا إلى وطن صغير كما كانت…….
هذا الانفصال التدريجي عن كل شيء يولد قلقًا دائمًا بلا سبب واضح و شعورًا بالوحدة وسط الناس و فقدانًا للشغف، لأن لا شيء يبدو “ملكا لنا حقًا…..
وهذا ما يجعل جيلًا بأكمله يبحث عن معنى… دون أن يجد مكانًا ليبدأ منه…….
من المسؤول؟
الأسرة التي لم تعد أبناءها للحياة الحديثة……
المدرسة التي تعلم دون أن تزرع انتماءً حقيقيًا……
وسائل الإعلام التي تمجد الفرد وتهمش الجماعة…..
أم أننا أمام تغير تاريخي في بنية الإنسان الاجتماعي… لم نستوعبه بعد…….
ليس الحل في العودة للوراء، بل في بناء جذور جديدة
وإحياء روابط حقيقية في الحي، المدرسة، العمل و تعليم الأبناء كيف يكون لهم “مكان”، لا مجرد “وجود”…….
إعادة تعريف النجاح بأنه الانتماء إلى شيء له معنى… لا مجرد الوصول الفردي…….
جيل اليوم لا يعاني من فقر في المال فقط، بل من فقر في الانتماء…….

